مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب…. حاجة الكريم إلى اللئيم!

سُئل أعرابي: ما الجرح الذي لا يبرأ ولا يندمل؟

فقال: (حاجة الكريم إلى اللئيم).

يا لها من إجابة تختصر وجعًا إنسانيًا لا يعرفه إلا من اضطرته الحياة يومًا إلى أن يطرق بابًا لا يحب صاحبه، أو يمد يده إلى من كان يتمنى ألا يحتاج إليه

 

الكريم لا تؤلمه الحاجة وحدها، بل يؤلمه أن تكون حاجته في يد من لا يعرف قيمة الكرامة ،إن الفقر قد يُحتمل، وضيق الحال قد يمر، والأيام العصيبة مهما اشتدت يمكن أن تنقضي… لكن أن تضطر إنسانًا عزيز النفس إلى طلب العون من شخص دنيء النفس، فذلك وجع من نوع آخر، وجعٌ لا يُرى، لكنه يأكل القلب بصمت

 

الكريم حين يحتاج لا ينكسر، لكنه يتألم وحين يطلب لا يفقد كرامته، لكنه يشعر أن شيئًا عزيزًا في داخله يُمتحن

 

أما اللئيم، فمشكلته أنه لا يرى في حاجة الآخرين إلا فرصة لاستعراض فضله، ولا يعرف أن يد العطاء إذا امتزجت بالمنِّ والأذى تحولت من يدٍ كريمة إلى خنجر

وقد يكون أشد ما يؤلم الكريم ليس أن يُرفض طلبه، وإنما أن يُستجاب له بطريقة تجعله يندم على أنه طلب

 

هناك أناس إذا أعطوك شيئًا، جعلوك تدفع ثمنه من كرامتك كل يوم

وآخرون يمنحونك القليل، ثم يمنّون عليك به كثيرًا.

وبعضهم لا يكتفي بأن يعطيك، بل يريد أن يراك صغيرًا حتى يشعر هو بأنه كبير

ولهذا كانت حاجة الكريم إلى اللئيم جرحًا لا يندمل؛ لأن الكريم بطبيعته يعطي دون أن يُشعر، ويستر دون أن يفضح، ويساعد دون أن يذكّر، فإذا اضطرته الحياة إلى الوقوف أمام من يذكّره بكل لقمة، وبكل معروف، وبكل موقف… شعر وكأنه يدفع من روحه ثمنًا لما أخذته يداه.

لكن أجمل ما في الكريم أنه، حتى في لحظة ضعفه، يظل كريمًا

قد يحتاج اليوم، لكنه سيعطي غدًا.

قد تنحني به الظروف، لكنها لا تكسر ظهره.

قد يطرق باب اللئيم مضطرًا، لكنه حين تفتح له الدنيا أبوابها، لن يصبح لئيمًا مثل من احتاج إليه.

فالكرامة ليست ألا تحتاج أحدًا؛ فالإنسان يحتاج الإنسان.

الكرامة أن تحتاج، ثم لا تسمح لحاجتك أن تغيّر أخلاقك.

ومن هنا، ربما كان الجرح الحقيقي ليس في أن يحتاج الكريم إلى اللئيم، وإنما في أن يكتشف الكريم بعد انقضاء حاجته أن بعض الذين ظنهم سندًا لم يكونوا إلا جدارًا يستند إليه حتى يسقط

 

إني من منصتي أنظر… حيث أري ….

أن الأيام دوّارة، وأن من يقف اليوم في موضع القوة قد يقف غدًا في موضع الحاجة، لذلك لا تجعلوا حاجة إنسان فرصة لإذلاله، ولا تجعلوا عثرة أخيكم مناسبة لاستعراض فضلكم

فالحاجة عابرة… أما أثر الإهانة فقد يسكن القلب إلى آخر العمر.

وما أجمل أن تعطي إنسانًا ما يحتاجه، ثم تجعله ينسى أنه احتاج إليك أصلًا.

تلك هي المروءة…

وتلك هي الشهامة…

وتلك هي الكرامة حين تمشي على قدمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى