مقالات الظهيرة

التطاول في البنيان وسط المساكن الشعبية: انتهاك صريح للخصوصية

الظهيرة – علاء الدين محمد أبكر:

قبل ثلاثين عاماً لم يكن مسموحاً لأحد بالبناء الرأسي في الأحياء الشعبية من الدرجة الثالثة إلا بعد أن يطرق باب الجار ويأخذ موافقته. كان ذلك إجراءً في قمة الرقي الاجتماعي، وفي كثير من الأحيان كان يُرفض الطلب بحجة أن البناء العالي “يكشف” بيوت الجيران. لم يكن أحد يرى في ذلك تعطيلاً للتنمية، بل كان اعترافاً بأن للبيت حرمة، وأن للجار على جاره حقاً لا يُشترى بالمال.

 

اليوم اختفى ذلك العُرف وتبخر دفتر الجيران، وحل محله دفتر “الواسطات”. فبرزت فجأة عمارات من أربعة وخمسة طوابق وسط بيوت متواضعة من الطين المسلح والزنك، دون استئذان أحد. وتحولت البيوت المستورة إلى مسرح مكشوف، حيث الجار الذي يسكن في الطابق الأعلى يطّلع على حرمات من هم دونه، وأصبحت “البرندة” التي كانت متنفساً سجناً تُسدل عليه الستائر نهاراً. وامتلأت أضابير المحاكم بقضايا يبحث أصحابها عن عدل مفقود، في مواجهة من يملكون المال والمحامين والعلاقات.

 

لم يكن عبثاً في الماضي أن قُسمت المساكن إلى درجات أولى وثانية وثالثة. في الأولى والثانية يُسمح بالبناء الرأسي وفق ضوابط هندسية وخدمية، أما الدرجة الثالثة “الشعبية” فكان يُمنع فيها التطاول إلا بموافقة الجيران، لأن طبيعتها وتخطيطها وشبكاتها لا تحتمل ذلك. وأكبر الأضرار التي تلحق بالجيران اليوم جراء هذا البناء العشوائي هو اغتيال الخصوصية. فالنوافذ والبلكونات العالية تطل مباشرة على داخل المطابخ والغرف، فيفقد الإنسان راحته داخل بيته الذي كان ملاذه الآمن.

 

إلى ذلك، فإن العمارة العالية تخنق من حولها. فهي تسد الهواء عن البيوت الملاصقة وتخلق ظلاً دائماً في بلد تعاني صيفه من لهيب لا يُطاق، مما يضاعف معاناة من لا يملكون ثمن المراوح والمكيفات. كما أنها تحجب إشارة طبق الاستقبال الفضائي وشبكات الاتصال، وتضغط على بنية تحتية لم تُصمم أصلاً لاستيعابها. فالصرف الصحي في الأحياء الشعبية كان لبيوت أرضية، وعندما تُفرغ عمارة مخلفات عشر شقق في نفس الخط تكون النتيجة الحتمية طفحاً وروائح كريهة تتسرب إلى البيوت المجاورة.

 

الشيء المحزن أن السلطات التي أطلقت يد أصحاب المال للبناء وسط منازل المواطنين البسطاء، كثير منها خرج من رحم هذه الأحياء نفسها. كانوا بالأمس جيراننا يعرفون ضيق البيوت ووجع الحر، ولكن بمجرد أنعم الله على أحدهم بمنصب أو مال تنكر لأصله وسارع للانتماء إلى طبقة أخرى على حساب كرامة أهله. بدل أن يكون سنداً لمن ربوه، صار أشد عليهم من الراسخين في المال والأعمال. وهذه من عيوب الشخصية السودانية التي تحتاج مراجعة، فالنعمة تكليف وليست صك ملكية لكرامة الآخرين.

 

ويبقى السؤال: هل السودان ضاقت به الأرض إلى الدرجة التي تجعل البعض يصر على تشييد عمارات وسط بيوت المساكين؟ الأرض واسعة والحمد لله. من استطاع أن يجمع مالاً لبناء عمارة قادر على أن يمتلك قطعة في أطراف المدينة وسيارة توصله إلى حيث يريد. لماذا الإصرار إذن على خنق الأحياء القديمة؟ والأدهى من ذلك الزحف على آخر متنفس للفقراء: ميادين كرة القدم. هذه الميادين ليست “أرضاً فاضية” بل هي رئة الحي ومكان طلعات العصر ودورات رمضان وملتقى الشباب. تحويلها إلى مبانٍ عالية يعني قتل الروح الجماعية للحي مقابل شقق تُباع.

 

إننا لا نكره التطور ولا نرفض العمارات، ولكن لكل شيء مكان. المطلوب اليوم إعادة العمل بنظام موافقة الجيران قبل التصديق بأي بناء رأسي في الدرجة الثالثة، مع إلزام المهندس بدراسة الظل والكشف. كما يجب تجميد التعدي على الميادين والمساحات العامة واعتبارها خطاً أحمر، ومحاسبة كل من يصدر تصديقاً بالمخالفة. وعلى الدولة أن تتجه لتخطيط مدن جديدة في أطراف العاصمة والولايات ببنية تحتية وأسعار معقولة، حتى يجد المستثمر بديلاً ولا يضطر لسحق خصوصية البسطاء.

 

السودان كبير وقادر على تلبية طموح الجميع. فلندع من أراد أن يبني ناطحات سحاب يبنها حيث لا يؤذي أحداً، ولنترك المواطن الغلبان الذي اقتنع بما عنده يعيش حراً مستوراً في بيته، لا يخاف من عين جار أعلى منه ولا من رائحة عمارة لصقت بجدرانه. فالتنمية الحقيقية هي التي تبدأ باحترام الإنسان، لا بتحويل بيته إلى معرض.

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى