مقالات الظهيرة

(مع مَعزّتي) عائد عبد الله يكتب… الإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ.. ركنُ الإيمانِ الرَّكينُ وسكينةُ القلبِ المُطمئِنِّ

الإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ ركنٌ من أركانِ الإيمانِ، وأصلٌ من أصولِ عقيدةِ الإسلامِ، فلا يتمُّ إيمانُ المسلمِ حتى يوقنَ أنَّ كلَّ شيءٍ في هذا الكونِ بقضاءِ اللهِ وقدرهِ.

قالَ تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾.

 

ومن كمالِ الإيمانِ أنْ يعلمَ العبدُ أنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكنْ، فلا يخرجُ شيءٌ عن إرادتهِ وقدرتهِ، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. فلا رادَّ لقضائهِ، ولا مُعقِّبَ لحكمهِ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بهِ.

 

ولا يبلغُ العبدُ حقيقةَ الإيمانِ حتى يوقنَ أنَّ ما أصابهُ لم يكنْ ليُخطئهُ، وما أخطأهُ لم يكنْ ليُصيبهُ، كما قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: (لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بالقدرِ خيرهِ وشرهِ، حتى يعلمَ أنَّ ما أصابهُ لم يكنْ ليُخطئهُ، وأنَّ ما أخطأهُ لم يكنْ ليُصيبهُ).

 

وقد كتبَ اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلقَ السماواتِ والأرضَ، كما أخبرَ الصادقُ المصدوقُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.

 

وحلوُ القضاءِ ومرُّهُ، وخيرُهُ وشرُّهُ، كلُّهُ بقدرِ اللهِ ومشيئتهِ. فحلوهُ وخيرهُ من كرمِ اللهِ وفضلِهِ، ومرُّهُ وشرُّهُ من قدرِ اللهِ يبتلي بهِ من يشاءُ. غيرَ أنَّ الطاعةَ سببٌ للخيرِ، والمعصيةَ سببٌ للشرِّ، والجزاءُ من جنسِ العملِ.

 

*والقدرُ لا يقعُ في المصائبِ الكبارِ وحدها، بل ينسجُ تفاصيلَ حياتِنا الدقيقةِ كلها.* قد يكونُ القدرُ في كلمةٍ لم تقلها، وفي موعدٍ تأخرتَ عنه، وفي فرصةٍ مرتْ من أمامكَ ولم تُدركها، وفي شخصٍ أحببتهُ ولم يكنْ من نصيبكَ، وفي طريقٍ سلكتهُ فتغيّرَ بهِ مجرى عمركَ كلهُ. حتى دمعتكَ التي نزلتْ في الخفاءِ، وابتسامتكَ التي ظهرتْ فجأةً، كلها بقدر.

 

وهنا يأتي دورُ الصبرِ.. الصبرُ ليسَ أنْ تتحمَّلَ الألمَ الكبيرَ فحسب، بل أنْ تصبرَ على تأخُّرِ أمنياتكَ، وعلى تعثُّرِ خطواتكَ، وعلى أقدارٍ صغيرةٍ تُوجعكَ كلَّ يومٍ ولا يراها الناسُ. أنْ تصبرَ وأنتَ ترى غيركَ يسبقكَ، وأنتَ لا تزالُ تنتظرُ قدرَ اللهِ فيك.

 

فمن أيقنَ أنَّ أدقَّ تفاصيلهِ مكتوبةٌ، وأنَّ رزقهُ وزواجهُ وعملهُ وحزنهُ وفرحهُ بيدِ اللهِ وحدهُ، سكنَ قلبهُ واستراحَ، ولم يعدْ يلهثُ خلفَ ما فاتهُ.

 

ومن ثمارِ الإيمانِ بهذا الركنِ العظيمِ: الصبرُ والرضا وعدمُ التسخُّطِ. فالمؤمنُ بنورِ اللهِ يرى الخيرَ حتى فيما يكرهُ، قالَ تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ).

 

وإنَّ العوضَ الذي وعدَ اللهُ بهِ الصابرينَ لكفيلٌ بأنْ يُنسيَهم مرارةَ المصابِ، فالبُشرى كلُّ البُشرى للصابرينَ.

 

والإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ يُورثُ راحةَ البالِ وطمأنينةَ النفسِ، ويُعلِّمُ العبدَ ألا يلتفتَ إلى لَوْ، بل يقولُ: (قدَّرَ اللهُ وما شاءَ فعلَ).

 

وهو يُورثُ اليقينَ وصدقَ التوكلِ على اللهِ وحدهُ، فمن أيقنَ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ تنفعَهُ أو تضرَّهُ لم تفعلْ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لهُ أو عليهِ، تعلَّقَ قلبُهُ باللهِ وحدهُ. وقد لخَّصَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ هذا كلهُ لابنِ عباسٍ بقولهِ: «احْفَظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لكَ، وإن اجتمعوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ لم يَضرُّوكَ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ عليكَ، رُفعتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصحفُ». وفي روايةٍ: «واعلمْ أنَّ ما أخطأَكَ لم يَكُنْ ليُصِيبَكَ، وما أصَابَكَ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، واعلمْ أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ الفرجَ مع الكَرْبِ، وأنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى