مقالات الظهيرة

رؤية وطنية نكتب للوطن ونفكر للمستقبل…الكهرباء… حين تصبح قضية وطن!!

بقلم /ابوعبيدة احمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية
============
ليست الكهرباء مجرد تيار يسري في الأسلاك، ولا مصابيح تتوهج في البيوت، ولا محطات تدور فيها التوربينات، وإنما هي شريان الحياة الذي إذا انقطع اختنقت التنمية، وتعطلت الصناعة، وتوقفت المستشفيات، وذبلت الزراعة، وامتد الظلام إلى النفوس قبل الطرقات.

ولذلك فإن الدول الرشيدة لا تنظر إلى الكهرباء باعتبارها خدمة عامة فحسب، وإنما تعدها جزءًا من أمنها القومي، لأنها تمس حياة الناس واستقرار المجتمع واقتصاد الدولة في آن واحد.

وقد أعادت الأستاذة سهير عبدالرحيم فتح هذا الملف الشائك في مقالها الأخير، عندما أوردت معلومات عن رجل أعمال وطني أبدى استعداده لتحمل تكلفة احتياجات قطاع الكهرباء كاملة، وأن الأمر وصل إلى الجهات العليا، ثم لم تمضِ الإجراءات – بحسب ما ذكرت – بالسرعة التي ينتظرها المواطن.

وسواء اتفقت الآراء أو اختلفت حول تفاصيل ما ورد في المقال، فإن الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان هي أن المواطن السوداني لم يعد يسأل: متى تنقطع الكهرباء؟ بل أصبح يسأل: متى تعود؟، وهو سؤال موجع في وطن يملك من الموارد ما يؤهله لأن يكون مصدرًا للطاقة لا باحثًا عنها.

إن وجود أي مبادرة وطنية صادقة، سواء جاءت من الدولة أو من القطاع الخاص أو من رجال الأعمال، ينبغي أن تجد الدراسة العاجلة والشفافية الكاملة؛ فإن كانت قابلة للتنفيذ مضت إلى طريقها، وإن كانت تعترضها عقبات فلتُبيَّن للرأي العام بوضوح، حتى لا تتحول الأسئلة إلى شكوك، والشكوك إلى فقدان للثقة.

أما ما شهدته بعض محطات الكهرباء من حرائق وأعطال جسيمة، فقد أثار كثيرًا من التساؤلات لدى المختصين والرأي العام. وإذا كانت بعض أنظمة الحماية الفنية – كما يذكر عدد من المهندسين – صُممت لإطلاق الإنذارات وفصل التيار عند حدوث الخطر، فإن معرفة أسباب ما وقع تظل مسؤولية التحقيق الفني المتخصص، لا مجال فيها للتخمين أو الاتهام المجرد.

ومن هنا فإن المصلحة الوطنية تقتضي إجراء تحقيق علمي مستقل ومحايد، تشارك فيه الكفاءات الفنية المختصة، ويُعلن للرأي العام ما يثبت من نتائجه بالأدلة. فإن ثبت وجود تقصير أو إهمال أو تخريب متعمد، فليُحاسب المسؤول وفق القانون، لأن العبث بالبنية التحتية للكهرباء ليس اعتداءً على مؤسسة حكومية فحسب، بل اعتداء على حياة ملايين المواطنين.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن انتظار الأعطال إلى بناء منظومة حديثة للطاقة، تقوم على التخطيط العلمي، والصيانة الوقائية، وتحديث الشبكات، وتنويع مصادر الإنتاج، والاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حتى لا يبقى السودان أسيرًا لظروف كان يمكن تجاوزها بالإدارة الرشيدة.

إن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات فقط، وإنما بكيفية إدارتها لتلك الثروات. والسودان، بما حباه الله من إمكانات، قادر على أن يجعل الكهرباء رافعةً للتنمية لا عنوانًا للأزمة، إذا توافرت الإرادة، وسادت الكفاءة، وحضرت المحاسبة، وغلبت مصلحة الوطن على كل اعتبار.

(همسة وطن)

حين يعرض أحد أبناء الوطن أن يضع إمكاناته في خدمة بلده، فإن أقل ما يستحقه هو أن يجد بابًا مفتوحًا، وإجابةً واضحة، وإجراءاتٍ شفافة. فالأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى بكل يدٍ صادقة، وكل عقلٍ مخلص، وكل مسؤولٍ يدرك أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا.

نسأل الله أن يحفظ السودان، وأن يهيئ له من رجاله ونسائه من يجعلون مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وأن يعيد إلى أرضه نور الكهرباء، ونور العدل، ونور الأمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى