د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… يا رئيس الوزراء… أزمة الوقود الحل بيدك… وابدأ بنفسك!!

يا رئيس الوزراء…
أزمة الوقود أمامك، والحل ليس كله خارج مكتبك… جزء كبير منه يبدأ منك أنت.
أنت القادم من أوروبا، وقد رأيت بعينيك كيف تتعامل الدول هناك مع أزمة الطاقة، وكيف تتجه إلى الطاقة الشمسية والرياح، وكيف تعمل على إحلال السيارات الكهربائية والهجينة محل سيارات الوقود، رغم أن خزائنها مليئة بالعملات الصعبة، واقتصاداتها أكثر استقراراً، وعملاتها أقوى بكثير من الجنيه السوداني.
أما نحن، فليس لدينا هذا الترف.
لا احتياطي نقدي كافٍ، ولا عملة مستقرة، ولا موارد تسمح لنا بإهدار الدولار في استيراد الوقود وكأن الأمر لا يعنينا.
لكن لدينا شيء آخر…
لدينا القرار.
ولذلك أقول لك بكل وضوح:
ابدأ بنفسك.
ما الذي يمنع رئيس الوزراء من أن يكون أول مسؤول سوداني يستبدل سيارته الفارهة بسيارة كهربائية أو هجينة؟
وما الذي يمنع الحكومة من إصدار قرار يبدأ تدريجياً باستبدال سيارات الوزراء والمسؤولين والسيارات الإدارية الحكومية بسيارات كهربائية، والاستفادة من إمكانات مصنع جياد بدلاً من أن نظل مجرد مستهلكين للوقود المستورد؟
هل نحن بحاجة إلى سيارات «لاندكروزر» ضخمة لكل اجتماع واحتفال ومناسبة؟
هل كل حركة لمسؤول حكومي تحتاج إلى سيارة تستهلك كميات كبيرة من الوقود، بينما المواطن يقف بالساعات بحثاً عن جالون وقود؟
أي رسالة هذه التي نرسلها إلى المواطن؟
نقول له: اصبر… اقتصد… تحمل الغلاء… تحمل أزمة الوقود…
ثم يرى أمامه مواكب المسؤولين تتقدمها السيارات الفارهة ذات الدفع الرباعي، والمحركات الكبيرة، والحراسات والمراسم!
هذا ليس تقشفاً.
هذا استفزاز لمواطن يعيش الأزمة ساعة بساعة.
وإذا كانت الحكومة جادة في معالجة أزمة الوقود، فلتبدأ من نفسها قبل أن تطلب من الشعب المزيد من الصبر.
وليكن رئيس الوزراء قدوة للوزراء.
والوزراء قدوة للولاة.
والولاة قدوة للمسؤولين.
وكبار قادة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية قدوة في حدود ما تسمح به طبيعة مهامهم.
وليكن هناك برنامج معلن: كم سيارة حكومية ستُستبدل خلال ستة أشهر؟ وكم خلال عام؟ وكم لتر وقود سيتم توفيره؟ وكم دولاراً ستوفر الدولة؟
هنا تكون السياسة بالأرقام، لا بالشعارات.
والأمر لا يتوقف عند السيارات.
إذا كانت الكهرباء موجودة في الوزارات والمقار الحكومية والسكن الحكومي، فلماذا لا تتحول الدولة نفسها إلى أكبر مستخدم للطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية؟
لدينا الشمس.
ولدينا الأرض.
ولدينا مصنع جياد.
ولدينا أزمة وقود.
فماذا ننتظر؟
هل نحتاج إلى بعثة أوروبية حتى تخبرنا أن الشمس يمكن أن تتحول إلى كهرباء، وأن الكهرباء يمكن أن تحرك السيارة؟
يا رئيس الوزراء…
لا تطلب من المواطن أن يقتصد في الوقود وأنت لا تبدأ بالاقتصاد في وقود الحكومة.
لا تطلب منه أن يتحمل الغلاء وأنت تسمح باستمرار مظاهر البذخ الحكومي.
ولا تطلب منه أن يثق في مشروع الدولة الجديدة بينما يرى الدولة القديمة في مواكبها وسياراتها واستهلاكها.
السودان في حرب، والاقتصاد في أزمة، والعملة تحت ضغط، والوقود سلعة استراتيجية، وكل لتر يهدر بلا ضرورة هو في النهاية عبء على خزينة الدولة وعلى المواطن.
وهنا تحديداً يجب أن تكون للمسؤولية معنى.
المسؤول الذي لا يستطيع أن يغير سيارته في زمن الأزمة، كيف سيقنع المواطن بأن الدولة قادرة على تغيير اقتصادها؟
ولنا في عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدوة لا تحتاج إلى مؤتمرات.
في عام الرمادة لم يقل للناس: اصبروا وأنتم تحملوا الجوع، بينما يعيش هو في رغد العيش. عاش ما عاشوه، ورفض أن يخص نفسه بما لا يستطيع عامة المسلمين الحصول عليه.
وعندما ذهب إلى بيت المقدس، لم يذهب في موكب من السيارات الفارهة، وإنما كان يتناوب الركوب على الدابة مع غلامه.
تلك هي القدوة.
أما أن يهتف المسؤول وسط الجماهير باسم الوطن، ثم يعود إلى سيارة فارهة تستهلك الوقود بينما المواطن يبحث عن جالون، فهذه ليست الرسالة التي يحتاجها السودان اليوم.
يا رئيس الوزراء…
يمكنك أن تبدأ القرار اليوم.
سيارة كهربائية لرئيس الوزراء.
ثم الوزراء.
ثم السيارات الإدارية.
ثم الولايات.
ثم كلما أمكن ذلك من أسطول الدولة.
واجعل أمام الناس مؤشرات واضحة: كم وفرنا من الوقود؟ وكم وفرنا من الدولار؟
عندها سيشعر المواطن أن الحكومة لا تطلب منه التضحية من خلف الزجاج الداكن للسيارات الفارهة…
بل تشاركه التضحية على الطريق نفسه.
أزمة الوقود ليست اختباراً للمواطن وحده.
إنها اختبار للحكومة أولاً.
والحل، يا رئيس الوزراء، قد يكون أقرب إليك مما تتصور.
ابدأ بنفسك.



