مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… فن التجاهل.. حين يكون الصمت قمة الاحترام

ليس كل من يصمت عاجزًا عن الرد، وليس كل من يتجاهل ضعيفًا لا يملك حجة. هناك نوع من التجاهل هو في حقيقته قمة القوة، وقمة الأدب، وقمة احترام الذات والآخرين.

 

نحن نعيش في زمن كثر فيه الضجيج، وتجد من يستفزك بكلمة، ومن ينتقص منك برأي، وأنت تملك القدرة الكاملة للرد، لكنك تختار أن تغض الطرف احترامًا للمجلس ولمن فيه.

 

وهذا الخلق ليس مستحدثًا، بل هو خلق رباني أصيل، مدحه الله تعالى في كتابه الكريم. قال تعالى في وصف عباد الرحمن:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]

فلم يقل ردوا عليهم، بل قالوا سلامًا، أي تجاهلوا جهلهم وارتقوا عنه.

 

وقال سبحانه آمرًا نبيه الكريم، وهو توجيه لكل مؤمن:

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]

فالإعراض عن الجاهلين ليس ضعفًا، بل هو أمر إلهي ومنهج رباني.

 

وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قمة القوة ليست في الغلبة باللسان، بل في كظم الغيظ. قال عليه الصلاة والسلام:

“لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ” [متفق عليه].

 

ومن يتجاهل وهو قادر، فهو يكظم غيظه، وقد وعد الله الكاظمين بأجر عظيم، فقال:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]

 

إن فن التجاهل هو ارتقاء. هو أن تدرك أن بعض الأشخاص لا يستحقون شرف أن تضع نفسك في مستواهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ” [متفق عليه].

فالصمت أحيانًا خير من كلمة حق أريد بها باطل أو فتنة.

 

كم من مشكلة كبرت لأن أحدهم لم يتجاهل؟ وكم من علاقة قطعت لأن أحدهم أصر على الرد على كل صغيرة وكبيرة؟

 

التجاهل الذكي هو الذي تمارسه احترامًا لنفسك أولاً، فلا تسمح للغضب أن يقودك، واحترامًا للآخرين ثانيًا. إنه قوة، وليس ضعفًا.

 

دع الصغائر للصغار، وارتفع أنت. فالنسر لا ينزل ليلتقط الفتات. واصل تحليقك، فهناك من ينظر إليك ويتعلم منك كيف يكون الاحترام، وكيف يكون خلق عباد الرحمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى