(قعقعة الحروف) د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي يكتب… ديناميكيات السلوك الهدّام: عقدة النقص والنرجسية الجريحة في ميزان التحليل النفسي

الحلقة الثانية
ديناميكيات السلوك الهدّام: عقدة النقص والنرجسية الجريحة في ميزان التحليل النفسي
من منظور التحليل النفسي وسلوك المنظمات، لا يستبدُّ الحسدُ المهني بالمرء إلا حين يعاني هشاشةً داخليةً حادّةً ومزمنة. عندها ينشط العقل الحاسد آلياتٍ دفاعيةً عدوانيةً غير مباشرة، في محاولة لحماية الأنا الهشّة من مشاعر الدونية التي تثيرها مقارنةُ الذات بالناجحين.
فالشخصية الحاسدة لا ترغب بالضرورة في امتلاك إنجاز الآخر أو الوصول إلى ما وصل إليه، بقدر ما قد تستشعر ارتياحًا مرضيًّا عند تراجع مكانته أو زوال ما حققه؛ إذ يمنحها ذلك وهمًا مؤقتًا باستعادة تفوقٍ لم تستطع تحقيقه بالإنجاز، فتحاول تعويض عجزها عن الصعود بإعاقة صعود الآخرين.
وتتفاقم هذه الظاهرة فيما يمكن أن يُعرف بـ «النرجسية الجريحة»؛ حيث يتوقع الفرد لنفسه تقديرًا وظيفيًّا وترقيًا يفوقان ما تؤهله له كفاءته الفعلية. وعندما يحقق زميلٌ كفء نجاحًا بجهده ومبادرته، قد يتعامل النرجسي مع ذلك بوصفه إهانةً شخصيةً تهدد صورته المتضخمة عن ذاته، بدل أن يراه نجاحًا مؤسسيًّا يستحق التشجيع.
وينعكس هذا السلوك في ممارسات مدمرة للبيئة المهنية، مثل حجب المعلومات، وتعطيل المشاريع، وإقصاء أصحاب الكفاءة، وترويج الشائعات، وتشويه السمعة، ووضع العراقيل أمام المتميزين، حتى يجد بعضهم نفسه مدفوعًا إلى الانسحاب أو الاستقالة.
والخطر الحقيقي لا يكمن في وجود شخصية حاسدة داخل المؤسسة فحسب، وإنما في أن يتحول سلوكها من حالة فردية إلى ثقافة تنظيمية؛ فعندما يصبح أصحاب النفوذ أكثر حرصًا على حماية مواقعهم من حرصهم على حماية المؤسسة، تتحول الكفاءة من قيمةٍ يُحتفى بها إلى تهديدٍ يُحارَب، ويصبح الإنجاز ذنبًا يُعاقب عليه صاحبه، بدل أن يكون معيارًا للترقي والتكريم.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية…
فالمؤسسة التي تعاقب الكفاءة لا تفقد موظفيها المتميزين فحسب، بل تفقد قدرتها على صناعة المستقبل.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
كيف يتحول الحسد الوظيفي من مشاعر داخلية إلى أدوات إدارية تُستخدم لإقصاء الكفاءات وصناعة بيئةٍ تكافئ الولاء على حساب الإنجاز؟
في الحلقة القادمة من (قعقعة الحروف) سنقترب أكثر من المنطقة الأخطر: عندما يتحول الحسد الوظيفي من مشاعر شخصية إلى (سلاح إداري)… فمن يملك مفاتيح هذا السلاح؟ ومن يدفع ثمنه؟



