مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الحوار السوداني.. واستطلاع أصحاب الوجعة وأهل القرار… الحوار الذي لا يصل إلى الشارع.. لن يصل إلى قلب المواطن!!

ما الهدف من الحوار السوداني المزمع انعقاده؟ أليس البحث عن مصالح الشعب السوداني، ذلك الشعب الذي تحمل في الداخل ويلات الحرب، وصبر على قسوتها، وظل صامداً رغم النزوح والفقد وضيق المعيشة، ينتظر فجر الخلاص والانعتاق من الخوف والترقب والإحباط، إلى رحاب الطمأنينة والأمل؟

 

إذا كان هذا هو الهدف، فهل فكرت لجنة تهيئة الحوار السوداني في أن تخرج من القاعات المغلقة، وتذهب إلى الولايات المختلفة، لتلتقي بالمواطنين في الشوارع والأسواق والحقول، وتستمع إليهم مباشرة، دون وسطاء أو حواجز؟

 

أصحاب الوجعة هم أصحاب المصلحة الحقيقية في هذا الحوار، وهم أولى الناس بأن تُسمع أصواتهم وتُحترم آراؤهم وتُترجم تطلعاتهم إلى برامج وقرارات.

 

ليس المطلوب أن تستمع اللجنة إلى السياسيين وحدهم، ولا أن تكتفي بما يُطرح في الاجتماعات والمؤتمرات؛ بل أن تذهب إلى حيث يعيش المواطن معاناته اليومية، وتسأله: ماذا تريد من هذا الحوار؟ وما الذي تنتظره من الدولة؟ وما الذي يجعلك تستعيد ثقتك في المستقبل؟

 

على اللجنة أن تلتقي بالشباب السوداني، في المدن والقرى ومناطق النزوح، وأن تسمع منهم عن أحلامهم ومخاوفهم وفرص العمل التي ينتظرونها، وعن وطن يريدون أن يجدوا فيه مكاناً يليق بطموحاتهم، بدلاً من أن يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد أمامهم.

 

وعليها كذلك أن تلتقي بالمرأة السودانية التي تحملت أعباءً مضاعفة، ودفعت ثمناً غالياً لهذه الحرب، وفقدت المأوى والأمان ومصادر الرزق، لكنها ظلت تقاوم من أجل أسرتها وأبنائها. إن صوت هذه المرأة ليس تفصيلاً في الحوار، بل هو جزء أصيل من أي حديث جاد عن السلام والاستقرار وإعادة بناء الوطن.

 

ولماذا لا تشمل هذه الجولات المزارعين والرعاة والعمال وأصحاب الأعمال الصغيرة والمعلمين والأطباء والصيادلة، وكل الفئات التي تعرف من واقع تجربتها أين تكمن الأزمات، وما الذي يمكن أن يعيد عجلة الحياة إلى الدوران؟

 

إن المطلوب من لجنة تهيئة الحوار أن تعود إلى الشعب السوداني في كل أجزائه، وأن تمنح المواطنين فرصة حقيقية للتعبير عن آرائهم، بعيداً عن الاستقطاب السياسي وحسابات المصالح الضيقة.

 

ونريد أن نرى ونسمع عن جولات ميدانية معلنة للجنة، وأن نطّلع على ما جمعته من آراء ومقترحات، وكيف ستنعكس هذه الآراء على أجندة الحوار ومخرجاته. فليس كافياً أن نطرق أبواب المواطنين للاستماع إليهم، ثم نعود إلى القاعات لنقرر نيابة عنهم دون أن نُطلعهم على ما فعلنا بأصواتهم.

 

الحوار الحقيقي ليس مجرد لقاء بين القوى السياسية، بل عقدٌ جديد بين الدولة والمواطن، قوامه الثقة والمشاركة والمسؤولية.

 

نريد حواراً يضع معاش الناس وأمنهم وتعليم أبنائهم وعلاج مرضاهم وعودة النازحين وإعمار ما دمرته الحرب في صدارة الأولويات. حواراً لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل يخرج بخارطة طريق واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وآليات لمتابعة التنفيذ ومحاسبة المقصرين.

 

أما إذا اقتصر الحوار على نخب السياسة، وظل المواطن الذي دفع الثمن الأكبر للحرب بعيداً عن طاولته، فإننا نكون قد كررنا التجربة ذاتها، وانتظرنا نتائج مختلفة من الأدوات نفسها.

 

لقد آن الأوان أن نكسر هذه الدائرة، وأن نمنح الشعب السوداني حقه في أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد متفرج على صراعات الآخرين.

 

يا لجنة تهيئة الحوار.. اذهبوا إلى الشعب، فهناك أصحاب الوجعة، وهناك تُسمع الحقيقة، وهناك يبدأ الطريق إلى حوار يليق بالسودان وأهله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى