مقالات الظهيرة

عبد الرؤوف أحمد حسن قرناص يكتب…. هل نمتلك خطة اقتصادية؟

قرائن الأحوال، ومجريات الأمور، والنتائج على أرض الواقع، تقول غير ذلك.

 

فإما أنه لا توجد خطة اقتصادية من الأساس، وأننا ندير اقتصاد البلاد بمنطق «رزق اليوم باليوم»؛ نتعامل مع كل أزمة بعد وقوعها، ونبحث عن حلول مؤقتة حتى تأتي الأزمة التالية.

 

وإما أن هناك خطة بالفعل، لكنها لم تكن محكمة بما يكفي، ولم تكن تملك من أدوات التنفيذ والمتابعة ما يحول دون انفراط العقد وتهاوي العملة الوطنية.

 

وليس أدل على ذلك من تغيير محافظ البنك المركزي في أكتوبر الماضي، في وقت كان فيه الدولار يساوي نحو 3600 جنيه سوداني.

 

والعرف أن تغيير المسؤول عن السياسة النقدية يأتي عادةً لاجتراح سياسات أفضل، وتكون التوقعات ــ إن لم يتحسن سعر العملة الوطنية ــ أن يتوقف النزيف على الأقل، حتى لا يستمر تآكل جسد الدولة الاقتصادي.

 

لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.

 

استمر النزيف، واستمر تراجع قيمة الجنيه، حتى تجاوز الدولار حاجز 6000 جنيه، وهو ما استدعى الحراك الحكومي الأخير والتداعي لمحاولة السيطرة على سعر الصرف.

 

وحتى نكون منصفين، فالبنك المركزي ليس المسؤول وحده عن سعر الصرف.

 

هناك وزارة المالية، وهناك مجلس الوزراء الذي يجيز السياسات والخطة الاقتصادية للدولة، وهناك الإنتاج والصادرات والواردات، وهناك الإنفاق العام، وهناك موارد النقد الأجنبي، وهناك القطاع المصرفي.

 

وهذا كله يعيدنا إلى السؤال الأول:

 

هل لدينا خطة اقتصادية متكاملة ومعلنة وقابلة للقياس والتنفيذ، أم أننا فقط ندير الأزمات عندما تقع؟

 

نحن لا نحتاج إلى اجتماعات جديدة بقدر حاجتنا إلى عقل اقتصادي واحد يدير المعركة.

 

ولهذا نكرر دعوتنا إلى تكوين مجلس أعلى لإدارة الاقتصاد، لا يكون بديلاً عن وزارة المالية أو البنك المركزي، وإنما مظلة تنسيق وصناعة قرار، تضم الحكومة، وأساتذة الاقتصاد في الجامعات، والخبراء والمختصين، إلى جانب القطاع الخاص والشركات الوطنية ذات القدرات الإنتاجية، مثل زادنا وجياد ومنظومة الصناعات الدفاعية.

 

ونحتاج كذلك إلى أن تكون وزارة الخارجية جزءاً من المعركة الاقتصادية؛ فتتواصل مع الدول الصديقة لفتح آفاق جديدة للتبادل السلعي، والمقايضة، والشراكات والاستثمارات، إذا تعذر في هذه المرحلة اجتذاب الودائع والقروض.

 

فالاقتصاد في زمن الحرب ليس شأناً فنياً منعزلاً عن بقية أجهزة الدولة.

 

هذه الحرب ليست عسكرية فقط؛ لها جبهتها الاقتصادية أيضاً، ولها أسلحتها وميدانها.

 

وفي الجبهة الاقتصادية لا يكفي أن نطارد الدولار في السوق، ولا أن نهدد تجار العملة، ولا أن نعقد الاجتماعات الطارئة كلما قفز سعر الصرف.

 

المطلوب أن نعرف:

 

من أين يأتي الدولار؟

وأين يذهب؟

كيف نزيد الصادرات؟

كيف نقلل فاتورة الواردات؟

كيف نحرك الإنتاج؟

كيف نحافظ على قيمة الجنيه؟

وكيف نحول موارد السودان الهائلة إلى قوة حقيقية في ميزان الدولة؟

 

هذه أسئلة خطة، وليست أسئلة أزمة.

 

والدولة التي تخوض حرباً عسكرية بلا خطة اقتصادية محكمة، قد تنتصر في الميدان وتخسر معركتها في الأسواق.

 

لذلك نقولها بوضوح:

 

نريد أن نرى الخطة الاقتصادية للدولة، وأهدافها، وأولوياتها، وأدوات تنفيذها، ومؤشرات نجاحها.

فالشعب الذي تحمل الحرب، والنزوح، وضيق المعيشة، وتدهور العملة، يستحق أن يعرف إلى أين تتجه سفينة الاقتصاد.

 

ألا هل بلغت… اللهم فاشهد.

 

د عبد الرؤوف قرناص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى