مقالات الظهيرة

خالد الإعيسر يسجل هدفاً ذهبياً!!

بقلم: جلال الدين محمد إبراهيم

✍️ عمود الصفر البارد بصحيفة التيار

 

في مشهد كتابي طريف، دشن وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر مقاله الأخير تحت عنوان “ما أسهل الكتابة والكلام أيها الماجدون”، وهو الرد الذي أطلقه على تعليقين للأستاذين حاج ماجد سوار وعبد الماجد عبد الحميد، اللذين أبديا ملاحظاتهما الناقدة تجاه الوزير.

لم يكن الرد مجرد دفاع عن النفس، بل كان بمثابة هدف ذهبي سجله الوزير في مرمى النقد المسؤول، حين قلب الطاولة على الناقدين بسؤال محوري وجوهري: ماذا قدم كل منكما للبلاد حين كان في موقع المسؤولية؟

 

▪️ – حين يصبح الناقد خصماً:-

ما يميّز رد الأستاذ خالد الإعيسر أنه لم يلجأ إلى التجريح أو التهجم، بل انتهج أسلوباً راقياً وحواراً موضوعياً، أشاد فيه بمنهج الناقدين وما اتسم به من “روح حضارية، والالتزام بقواعد الحوار الموضوعي والبناء والمفيد للبلاد والعباد”. وهذا وحده درس في أخلاقيات الاختلاف، أن تمدح خصمك وتقر له بالفضيلة قبل أن تطرح سؤالك.

 

▪️ – لكن لبّ المقال كان في التذكير بأن كلاً من “الماجديين” – وهو اللفظ الذي أطلقه الوزير ببراعة جمعاً بين اسميهما – قد تولى منصباً دستورياً في مرحلة زمنية كانت البلاد فيها في أفضل حالاتها الاقتصادية والسياسية. وبحسب ما ورد في مقال الأستاذ خالد الإعيسر، حين قال، فيما معناه: لقد تولى حاج ماجد سوار منصب وزير الشباب والرياضة في السودان في يونيو 2010، واستمر في منصبه حتى ديسمبر 2012. أما عبد الماجد عبد الحميد، فقد عُين وزيراً للإعلام في حكومة ولاية النيل الأبيض في يونيو 2010، وحتى عام 2011.

وكان الاثنان وزيرين في مرحلة شهد فيها السودان طفرة اقتصادية كبيرة بفضل عائدات النفط، وكان سعر الدولار في حدود جنيهين، كما نعمت البلاد باستقرار كبير عقب اتفاقية نيفاشا التي أوقفت الحرب. أوضاع لا تُقارن إطلاقاً بما يعيشه السودان اليوم من حرب مدمرة وانهيار اقتصادي.

 

▪️ – سؤال الوزير.. ومربط الفرس:-

وهنا يكمن مربط الفرس في مقال الوزير الإعيسر، حيث سأل “الماجديين” سؤالاً مباشراً: ماذا قدم كل منهما للسودان خلال تلك المرحلة التي توافرت فيها كل الإمكانات المادية الهائلة والموارد البشرية العالية، وتمتّع فيها الاقتصاد بحالة من النمو والاستقرار؟

 

▪️ – للأمانة، هذا السؤال، وهو عينه ما كنت قد طلبته منذ زمن بعيد – شاهدوا أرشيفي في مقالاتي السابقة بصحيفة التيار تجدون منذ زمن، وأنا أطالب بهذا الإحصاء – حيث ناديت بأن كل من استلم منصباً دستورياً عليه أن يقدم للشعب كشف حساب شاملاً، لا مجرد إنجازات خطابية أو كلامية من أجل الاستهلاك الإعلامي (الذي يطير كما طار الدخان في فيلم عادل إمام)، بينما هي إنجازات لا ظل لها في أرض الواقع!

 

▪️ – ونحن نطلب المزيد:-

وإن كنت أقف اليوم مع الأستاذ خالد الإعيسر في طلبه من “الماجديين”، فإنني أزيد عليه، فأطالبه هو الآخر – سعادة الوزير – بأن يقدم للشعب السوداني ما يطلبه من غيره، بموجب جدول إحصائي شامل لإنجازاته، يتضمن التكاليف المالية التي صُرفت على تلك الإنجازات، وأسماء جهات التنفيذ، وبياناً بالعطاءات الرسمية التي تمت بموجبها تلك الأعمال. وعلى سبيل المثال، لا يمكن أن نقبل إنجازاً يُقدم إلينا في صورة بناء جدار بطول ثلاثة أمتار وارتفاع متر، بتكاليف يمكن أن تبني ناطحة سحاب أو برجاً من 40 دوراً.

فالأمر – بصراحة – لا يقبل الإنجازات الكلامية المجردة. كم من “إنجازات” رأيناها تُعلن في البيانات والإحصائيات الخطابية، بينما الشعب يعاني الجوع والفقر، ولا أحد يجيب على السؤال المحيّر: الشعب الحاصل ليه شنو؟

فالإنجاز الحقيقي هو ما يمكن قياسه بمعايير الإحصاء (الدائن والمدين)، وما يمكن للشعب أن يلمس أثره في واقعه المعيشي. أما الإنجاز الذي يكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة دون مردود ملموس، أو الذي يتم بآليات غير شفافة وبعيدة عن العطاءات الرسمية، فهو – في أفضل الأحوال – إهدار للمال العام، وفي أسوئها – فساد يجب كشفه ومحاسبته.

 

▪️ – وللعلم والتقدير:-

ما قام به الأستاذ الوزير خالد الإعيسر في مقاله لم يكن مجرد رد على ناقدين، بل كان تأسيساً لمنهج صحيح وراق في النقد والمحاسبة، يقوم على مبدأ أن من ينتقد اليوم كان بالأمس في موقع يمكنه من تقديم الأفضل، فإن كان يمتلك الجرأة على النقد، فليمتلك أيضاً الجرأة على تقديم حساب ما قدمه حين كانت الفرصة سانحة له.

 

▪️ – وهنا هدف مني بأسلوب (روبيرتو كارلوس: اعملوا حيطة):-

ونحن بدورنا نمد يدنا إلى جميع من تولوا مناصب دستورية في السودان – من كافة أعضاء مجلس السيادة، ومن سعادة رئيس الوزراء كامل إدريس، وكل الوزراء في حكومة الأمل، وغيرهم من الوزراء السابقين، سواء في حقبة النفط والاستقرار أو في غيرها – وندعوهم إلى تقديم كشوفاتهم الإنجازية للشعب، وبموجب بيان المنصرفات المالية على الإنجازات، بكشوفات رسمية حتى يتم التقييم بالجهد ونوع الإنجاز وتكاليف الإنجاز. لا لنحرجهم، بل لنبني معاً ثقافة المحاسبة والشفافية التي هي أساس أي نهضة حقيقية.

 

▪️ – آخر المداد:-

فالشعب السوداني، الذي يعيش اليوم أقسى ظروفه، يستحق أكثر من الخطابات الإنشائية والإنجازات الكلامية. يستحق كشف الحقيقة المجردة، مهما كانت مرة، ويستحق المحاسبة، مهما كانت صعبة. وبمناسبة نهائي كأس العالم اليوم، نقول إن الوزير الإعيسر سجل الهدف الذهبي، المصحوب من هذا المقال بهدف آخر بأسلوب (روبيرتو كارلوس: اعملوا حيطة)، وهو الهدف الذي ينبغي أن نسجّله جميعاً.

ألا هل بلغت، اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى