ياسرمحمدمحمود البشر يكتب في (شوكة حوت) الأرض والدولــة… حينما تبتلع القبيلة خريطة الوطـــــن!!
*منذ أن رفع السودان علم استقلاله فى العام ١٩٥٦ ورثت الدولة السودانية المستقلة حزمة من التعقيدات السياسية والاجتماعية إلا أن أزمة ملكية الأرض ظلت هى الجرح الغائر والعقبة الكؤود التي تقف أمام كل الحكومات المتعاقبة لم تكن الأزمة فى يوم من الأيام مجرد خلاف قانونة عابر بل هى صراع عميق ومستمر بين مفهوم الدولة الحديثة التى تبسط سيادتها على جغرافيتها وبين الإرث القبلى المتجذر الذى يرفض الانصياع لسلطة المركز وفى صلب هذه الأزمة تكمن مفارقة قانونية واجتماعية غريبة فالقانون السودانى ينص بوضوح جلي على أن الأرض تقع تحت سلطة الدولة مباشرة وأن للمواطن حق الانتفاع بها وفق محددات قانونية وتنموية واضحة.
هذا المبدأ هو الأساس الذى تبنى عليه كل الدول الحديثة لضمان التوزيع العادل للثروات وتخطيط المشروعات القومية إلا أن الواقع المعاش على الأرض في السودان يروى قصة مختلفة تماماً تتناقض مع أبسط أبجديات سيادة الدولة*.
” ولعل السودان يكاد يكون الدولة الوحيدة فى العالم المعاصر التى لا تزال تسجل فيها مساحات شاسعة من الأراضي كحواكير بأسماء قبائل وعشائر بعينها هذا العرف التاريخى الذي تمدد وتجذر بمرور العقود خلق كيانات موازية تملك جغرافيا الدولة وتتعامل معها كإرث حصرى لا يخضع لأى تخطيط قومى مما أفرغ القوانين الوطنية من مضمونها وجعلها مجرد حبر على ورق لا يملك سلطة النفاذ ومن البديهى فى علم الاقتصاد والسياسة أن الأرض هى مسرح النشاط الإقتصادى الأول الذى تمتلكه الدولة لتوظيفه في التنمية الشاملة الزراعة التعدين والرعى والتخطيط العمرانى وجذب الاستثمارات كلها أنشطة ترتكز على قدرة الدولة على التصرف فى أراضيها ولكن مع استمرار وتغول نظام الحواكير تفقد الدولة أهم أوراقها الاقتصادية وتصبح رهينة لمزاج الكيانات القبلية مما يعطل مسيرة التنمية بشكل كامل*.
*لقد دفعت الحكومات المتعاقبة منذ فجر الاستقلال ثمن هذا التناقض باهظاً حيث اختارت فى كثير من الأحيان سياسات الترضية وشراء الولاءات على حساب سيادة القانون هذا التراخى المستمر من قبل الأنظمة الحاكمة جعل من أزمة الأراضى عقبة كؤود تعطل أى مشروع وطنى حقيقى وتحول دون تحقيق نهضة اقتصادية مستدامة تعود بالنفع على كل المواطنين السودانيين بلا تمييز أو محاصصة وبمرور الوقت وفى ظل ضعف المركز تنامى إحساس القبائل بالملكية المطلقة للأرض متجاوزين مفهوم الحيازة التقليدية للرعى أو الزراعة إلى ادعاء السيادة السياسية الكاملة هذا التنامى الخطير لم يعد يقف عند حدود النزاعات الأهلية المعتادة على الموارد بل تحول إلى أداة مباشرة لتهديد الدولة نفسها وابتزاز مؤسساتها متى ما تعارضت مصالح أعيان القبيلة مع الخطط القومية*.
*اليوم نرى هذا التهديد يتخذ أشكالاً سافرة تمس صميم الأمن القومى ووحدة التراب السودانى لم يعد الأمر مقتصراً على رفض إقامة مشروع زراعى هنا أو عرقلة استثمار تعدينى هناك بل تطور إلى تحدٍ سياسى معلن يضرب في صميم البناء الدستورى والإدارى للبلاد محولاً الإدارات الأهلية والقبلية إلى ند مباشر لمؤسسات الحكم الرسمى ولعل أكبر دليل على هذا التغول الخطير والمقلق هو تهديد بعض القبائل مؤخراً بإعلان نيتها إنشاء ولايات جديدة من طرف واحد استناداً إلى حدودها العشائرية هذه الكيانات المقترحة لا تستند إلى أى أمر تأسيس دستورى أو إدارى سليم تصدره أجهزة الدولة بل تقوم حصرياً على نظام الحواكير في سابقة تنذر بتفتيت ما تبقى من خريطة البلاد إلى كانتونات قبلية مغلقة تتصارع فيما بينها*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*أمام هذا المنعطف التاريخى الحرج الذى يهدد بقاء السودان كدولة موحدة لم يعد هناك مجال لأنصاف الحلول أو المجاملات السياسية حان الوقت لأن تضطلع الدولة بدورها السيادى والوطنى بصرامة وأن تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعى عبر تفعيل القانون روحاً ونصاً لتأكيد أن الأرض ملك للوطن والمواطن بحق الانتفاع وليست ملكية سياسية للقبيلة*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*إن هذا التفعيل القانونى يتطلب إرادة فولاذية مقرونة بامتلاك آليات تنفيذية قادرة على إنفاذ القرارات على أرض الواقع لا بد من فرض هيبة الدولة بقوة الدستور والقانون لإنهاء حقبة الموازنات القبلية التي أقعدت السودان منذ عام ١٩٥٦ ولتأسيس دولة المواطنة الحقيقية التى تكون فيها السيادة للقانون وحده والأرض منصة لبناء مستقبل مشرق لكل السودانيين*
yassir.mahoud71@gmail.com



