تكريم العقيد الركن جبريل مضوي… مشاهد وشواهد في مقام الجسارة والبطولة

الظهيرة – د. ياسر عثمان أبو عمار
مدخل:
كلساً من قديم ود الرجال الكُسّر
وجنباً في المحاص حنضل عدوه محسّر
فيهو صفات تلوباً راكزة ما بتتكسّر
دغري وفنجري وساعة الدواس بتجسّر
أبوعمّار
العقيد الركن جبريل عوض مضوي، ركن عمليات الفرقة الثالثة مشاة شندي سابقاً، اسمٌ ارتبط بالميدان، وبمواقف الرجال والرجولة حين تشتد الخطوب، وحين تصبح الشجاعة موقفاً لا شعاراً، والوفاء قيمة لا تنقطع بانتهاء المعركة.
في مشهدٍ حمل كثيراً من معاني الوفاء والعرفان، احتفى أهالي اتحاد القليعات جنوب شندي بابنهم (الكلس) العقيد الركن جبريل عوض مضوي، ركن عمليات الفرقة الثالثة مشاة شندي سابقاً، تقديراً لما قدمه من جهود ومواقف، وعرفاناً بما ظل يبذله من عطاء في خدمة الوطن وأهله.وبمثله يكون الاحتفاء.
لم يكن التكريم مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، ولا احتفالاً بشخص واحد بقدر ما كان تعبيراً صادقاً عن وجدان مجتمع أراد أن يقول لأحد أبنائه الفرسان نحن نرى ما تفعلون، ونقدر ما تقدمون، ونحفظ للرجال مواقفهم.
القليعات… حين يتحدث الوفاء بما يليق بالمناسبة ومقامات الرجال.
جاءت المناسبة بحضور عدد من القيادات العسكرية والمجتمعية والشعبية والأكاديمية، في صورة عكست تلاحم أهل المنطقة وتقديرهم للجهود المبذولة في سبيل حماية الأرض وخدمة المواطنين.
وكان في مقدمة المتحدثين ممثل اتحاد القليعات رحّب بالحضور، معبراً عن سعادة أهل المنطقة بهذه المناسبة، ومؤكداً أن التكريم جاء وفاءً وعرفاناً للعقيد جبريل عوض مضوي، وتقديراً لما قدمه من جهد وما عرف عنه من مواقف تستحق الإشادة.كان الترحيب أكثر من كلمات افتتاحية، فقد حمل رسالة واضحة بأن المجتمعات لا تنسى من يقف معها في أوقاتها الصعبة، وأن الذاكرة الشعبية تحفظ للرجال مواقفهم مهما تبدلت الظروف.
من مقاومة جنوب شندي… شهادة من الميدان ممهورة بدماء الشهداء
وتحدث كذلك ود الأسد، رئيس المقاومة الشعبية بجنوب شندي، مؤكداً أهمية المناسبة وقيمتها، ومتوقفاً عند ما يمثله المحتفى به من نموذج للرجل الذي يؤدي واجبه في صمت، ويترك أثره في الميدان قبل أن يبحث عن كلمات الثناء. ففي مثل هذه المناسبات، لا تكون الشهادة مجرد حديث من منصة، وإنما هي شهادة مجتمع على رجل عرفته ساحات العمل العسكري ومواقف (الدرش).
الشيخاب… حين تأتي الشهادة من رفاق الطريق
وكان لـ عبد الله عبد الرحمن الشيخابي، رئيس المقاومة الشعبية بوحدة البسابير وقائد قطاع الشيخاب، كلمة في المناسبة، تحدث فيها عن المحتفى به، مستحضراً جوانب من سيرته ومواقفه.
وشهادة أمثال هؤلاء الرجال تكتسب خصوصيتها، لأنها تأتي من محيط يعرف طبيعة العمل، ويدرك أن البطولة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الحديث عنها، وإنما بما يفعله الإنسان عندما يجد نفسه أمام مسؤولية لا تحتمل التردد وأمام مسؤول (راجل وقدوة).
جبريل مضوي… المحتفى به يتحدث
ثم جاءت كلمة المحتفى به، العقيد الركن جبريل عوض مضوي، التي حملت معاني التقدير لأهل القليعات وللحضور، وأكدت أن التكريم الحقيقي لأي رجل هو أن يرى أثر عمله في أهله ومجتمعه ووطنه.
وكانت لحظة حديثه من اللحظات اللافتة في المناسبة، فالرجل الذي اعتاد أن يكون في موقع العمل والواجب وجد نفسه هذه المرة في موقع المكرَّم، أمام مجتمع جاء ليقول له إن ما قدمه لم يذهب سدى، وإن للمواقف رجالاً يحفظونها ويشهدون عليها.
جامعة شندي… التكريم يتحول إلى أثر باقٍ
ولأن التكريم لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الاحتفال، جاءت مبادرة مدير جامعة شندي لتمنح المناسبة بعداً آخر، حين أعلن عن التبرع بإنشاء قاعة دراسية تحمل اسم العقيد جبريل عوض مضوي.
كانت المبادرة رسالة ذات دلالة عميقة، فأن يحمل مكان للعلم اسم رجل ارتبط بالخدمة والواجب، يعني أن التكريم انتقل من لحظة احتفالية إلى أثر مستمر، ومن التصفيق إلى المعرفة، ومن الذاكرة العابرة إلى ذاكرة الأجيال.
وهنا تلتقي رمزية السلاح مع رمزية العلم، فالوطن الذي يُحمى بالرجال، يُبنى كذلك بالعلم والمعرفة.
في الختام… الجسارة التي تستحق الوفاء
وفي ختام المناسبة، تحدث العميد الهيثم الأمين، قائد المقاومة الشعبية بمحلية شندي، ممثلاً لقائد الفرقة الثالثة مشاة شندي، ليؤكد معاني التكريم ودلالاته، ومثمناً هذه المبادرة التي جاءت من أهالي اتحاد القليعات وفاءً وعرفاناً.حيث تحدث عن المحتفى به، مستعرضاً ما عرف عنه من مواقف وشجاعة وأداء في موقعه، ومشيراً إلى أن تكريم الرجال الذين يقفون في الصفوف المتقدمة هو تكريم للقيم التي يمثلونها من شجاعة وانضباط وإخلاص.
ولم يتوقف معنى التكريم عند الكلمات، إذ أعلن العميد الهيثم عن التبرع بطاقة شمسية لمركز صحي القليعات، إلى جانب معدات طبية، في لفتة تؤكد أن خدمة المواطن تظل في مقدمة الأولويات، وأن الوفاء يمكن أن يتحول من كلمات تُقال إلى مشروعات تخفف عن الناس وتعينهم على مواجهة ظروفهم. فكان ذلك تطبيقاً (بيان بالعمل) للشعار الخالد (جيشٌ واحد شعبٌ واحد).
وهكذا أسدل الستار على مناسبة لم تكن مجرد تكريم لعقيد ركن، وإنما كانت احتفاءً بمعانٍ أكبر، الجسارة، والبطولة، والوفاء، والعطاء، وخدمة الناس والوطن.
لقد قال أهل القليعات كلمتهم بالفعل قبل القول، إن الرجال الذين يقفون في المواقف الصعبة لا ينبغي أن تنتظر الأمة رحيلهم حتى تكتشف قيمتهم.
وقال الحضور، كلٌ بطريقته، إن جبريل عوض مضوي ليس مجرد اسم في قائمة الضباط، بل شاهد على مرحلة تحتاج إلى رجال يعرفون معنى المسؤولية، ويؤدون واجبهم عندما يكون الواجب أثقل من الكلام.
وإذا كانت البطولة تُكتب في ساحات الميدان، فإن الوفاء يكتبها في ذاكرة الناس.
وفي القليعات، كان التكريم صفحة من صفحات الوفاء لرجلٍ رآه أهله جديراً بأن يُقال له: شكراً… فقد كنتم في الموعد.



