مقالات الظهيرة

المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟ الدبلوماسية السودانية.. بأي ذنبٍ طُردت(4)؟

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟

 

الجزء الرابع: الدبلوماسية السودانية.. بأي ذنبٍ طُردت؟

 

ليس أشد إيلاماً على الدول من أن تُقابل محاولاتها الاحتكام إلى القانون الدولي بالتضييق على ممثليها الدبلوماسيين، وليس أكثر إثارةً للتساؤل من أن يجد بلدٌ يرفع شكواه إلى المؤسسات الدولية نفسه أمام إجراءات تصعيدية تمس قنوات التواصل بينه وبين جاره.

 

إن الدبلوماسية ليست ترفاً سياسياً، ولا وظيفة بروتوكولية تقتصر على تبادل الدعوات وحضور المناسبات، وإنما هي صوت الدولة في الخارج، وحارس مصالح مواطنيها، والجسر الذي تعبر عليه المواقف حين تختلف الحكومات وتتباعد الرؤى.

 

ومن هنا فإننا نضع أمام الرأي العام السوداني والإفريقي والدولي قضية الإجراءات الإثيوبية الأخيرة بحق أعضاء من القنصلية السودانية بمدينة أسوسا، وما حملته من دلالات في ظل التوتر المتصاعد بين الخرطوم وأديس أبابا.

 

فقد أفادت التقارير الصحفية، في الرابع من نوفمبر 2026، بأن السلطات الإثيوبية طلبت من ستة من موظفي القنصلية السودانية مغادرة البلاد خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، دون أن يعلن المسؤول الإثيوبي الذي نقل الخبر سبباً لهذا القرار.

 

وهنا يحق لنا أن نسأل:

 

بأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟

 

هل لأن السودان طالب بحقه في التحقيق بشأن المسيّرات التي تقول حكومته إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية واستهدفت منشآت داخل السودان؟

 

هل لأن الخرطوم لجأت إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، وطلبت التحقيق في اتهامات تمس سيادتها وأمنها القومي؟

 

وهل أصبح تقديم الشكاوى إلى المؤسسات الدولية سبباً لاتخاذ إجراءات تصعيدية بحق ممثلي الدولة صاحبة الشكوى؟

 

إن من حق إثيوبيا أن تعرض موقفها، وأن تنفي الاتهامات الموجهة إليها، وأن تقدم ما لديها من أدلة وبيانات، لكن من حق السودان أيضاً أن يطالب بالتحقيق، وأن يحمي مصالحه، وأن يتخذ المواقف الدبلوماسية التي يراها مناسبة لصيانة كرامته وسيادته.

 

يا حكومة أديس أبابا.. إن الدبلوماسية السودانية لم تكن عدواً لكم!

 

إن السودان لم يغلق أبوابه أمام الحوار، ولم يجعل من خلافاته معكم ذريعة لقطع جسور التواصل بين الشعبين، ولم يتخلَّ عن واجب حسن الجوار، رغم ما يواجهه من ظروف استثنائية وحرب مدمرة.

 

لقد كان السودان حاضناً للأشقاء الإثيوبيين في أوقات المحن، وتقاسم معهم ما استطاع من مقومات الحياة حين دفعتهم الحروب والمجاعات والظروف الطبيعية إلى طلب الأمان.

 

فهل يكون جزاء هذا التاريخ أن تتعرض العلاقات بين البلدين لمزيد من التصعيد، وأن يُضيَّق على البعثة السودانية في وقت يحتاج فيه البلدان إلى الحوار والتفاهم؟

 

إننا لا نطالب بمعاملة استثنائية، وإنما نطالب باحترام متبادل، وبأن تكون العلاقات بين الدول قائمة على الندية والسيادة وعدم التدخل والاحتكام إلى القواعد الدولية.

الآن ياتي دور وزارة الخارجية السودانية من هذا التصعيد؟

 

لانود نطرح سؤالاً مشروعاً على مؤسسات الدولة السودانية: ألم يكن من واجب الدبلوماسية السودانية أن تدرس منذ بداية هذه التجاوزات، وبالتوازي مع تقديم الشكاوى الدولية، اتخاذ إجراءات دبلوماسية تحفظ هيبة الدولة وتُظهر رفضها لأي مساس بسيادتها؟

 

إن المعاملة بالمثل من الأدوات المعروفة في العلاقات الدبلوماسية، ومن حق الدولة أن تدرس إعلان بعض أعضاء البعثة الدبلوماسية أو القنصلية للدولة الأخرى أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

 

وقد كان من الممكن أن يكون هذا الخيار موضع دراسة مبكرة لدى الحكومة السودانية تعبيراً عن احتجاجها على ما تراه تجاوزات خطيرة تمس أمنها ومصالحها.

 

واليوم، بعد القرار الإثيوبي الأخير، فإننا نطالب وزارة الخارجية السودانية بإجراء مراجعة شاملة للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع إثيوبيا، ودراسة الخيارات القانونية والدبلوماسية المتاحة، بما فيها تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، وإعلان من تقتضي المصلحة الوطنية إعلانهم من أعضاء البعثة الإثيوبية أشخاصاً غير مرغوب فيهم، مع تقدير أثر ذلك على مصالح المواطنين السودانيين والاتصال الدبلوماسي.

 

فليس من الحكمة أن تظل الدولة صامتة أمام ما يمس كرامتها، كما ليس من الحكمة أن تتخذ قرارات متعجلة لا تخدم مصالحها الاستراتيجية.

 

إن السيادة لا تُصان بالصمت، ولا تُحمى بالانفعال.

 

القانون الدولي يمنح الدول أدواتها الدبلوماسية.

 

إن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، في مادتها التاسعة، تمنح الدولة المستقبلة حق إخطار الدولة الموفدة بأن رئيس البعثة أو أحد أعضاء طاقمها الدبلوماسي شخص غير مرغوب فيه، دون أن تكون ملزمة بتقديم أسباب قرارها.

 

كما تنص اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، في مادتها الثالثة والعشرين، على حق الدولة المستقبلة في إعلان القنصل أو أحد أعضاء الطاقم القنصلي شخصاً غير مرغوب فيه.

 

وهذه أحكام قانونية تمنح الدول أدوات دبلوماسية واضحة، وليست دعوة إلى قطع العلاقات أو إغلاق أبواب الحوار.

 

ومن ثم فإننا نطالب الحكومة السودانية بأن تتعامل مع هذا الملف وفق دراسة قانونية وسياسية متكاملة، تضع في الاعتبار كرامة الدولة ومصالحها وأمن مواطنيها، وأن تكون أي إجراءات متخذة واضحة ومتناسبة مع الغاية الدبلوماسية المنشودة.

 

وإلى مجلس الأمن الدولي نقول:

 

إن تدهور العلاقات بين السودان وإثيوبيا ليس مسألة بروتوكولية عابرة، بل تطور يستحق الاهتمام، خصوصاً في ظل الاتهامات السودانية المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في استهداف منشآت داخل السودان.

 

إن واجبكم أن تستمعوا إلى الطرفين، وأن تطلبوا الأدلة، وأن تعملوا على منع أي تصعيد قد يهدد السلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي.

 

وإلى الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي نقول:

 

إن مبدأ الأخوة الإفريقية لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بالصور التذكارية، وإنما بقدرة مؤسسات القارة على حماية العلاقات بين شعوبها، ومنع الاعتداءات، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.

 

إن السودان ينتظر منكم موقفاً مسؤولاً، وتحركاً دبلوماسياً يضع حداً لتدهور العلاقات، ويضمن احترام سيادة البلدين.

 

وإلى الأمين العام للأمم المتحدة ومؤسساتها المعنية نقول:

 

إن العالم لا يحتاج إلى أزمة جديدة في القرن الإفريقي، وإن استمرار التوتر بين دولتين متجاورتين، إحداهما تعاني حرباً داخلية مدمرة، يستوجب التحرك المبكر قبل أن تتسع دائرة الخلاف.

 

وإلى الشعب الإثيوبي الشقيق نقول:

 

إننا لا نحملكم وزر الخلافات السياسية بين الحكومتين، ولا نريد أن تتحول مواقفنا من سياسات الحكومة الإثيوبية إلى خصومة شعبية بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.

 

نحن نحترمكم، ونقدر حقكم في الأمن والاستقرار، ونؤمن بأن المستقبل الذي يجمع السودان وإثيوبيا أكبر من خلافات الحكومات، ولكننا نؤمن أيضاً بأن الأخوة لا تعني التنازل عن السيادة، وأن السلام لا يقوم على الصمت أمام التجاوزات.

 

أما رسالتنا إلى الحكومة السودانية فهي واضحة:

 

إن الشعب السوداني ينتظر من دبلوماسيته أن تكون بمستوى التحديات التي تواجه الوطن.

 

نريد وزارة الخارجية ان تتحرك بثقة، وتدافع عن حقوق السودان في كل المحافل، وتستثمر علاقاتها الدولية والإقليمية في حماية مصالحه، ولا تسمح بأن تتحول شكاوى السودان إلى أوراق تُحفظ في الأدراج.

 

ونريد مراجعة جادة للعلاقات مع إثيوبيا، ودراسة الإجراءات الدبلوماسية المتبادلة، بما فيها المعاملة بالمثل، وفق القانون والمصلحة الوطنية، مع إبقاء باب الحلول السلمية مفتوحاً.

 

فليس مطلوباً من السودان أن يختار بين كرامته والسلام؛ بل المطلوب أن يحفظ كرامته وأن يعمل من أجل السلام في آنٍ واحد.

 

إن الدبلوماسية التي لا تدافع عن حقوق وطنها تفقد جوهر رسالتها، والدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تصبح مصالحها وسيادتها موضوعاً للتجاوز أو الاختبار.

 

يا إثيوبيا، إن السودان يريد علاقة جوار يسودها الاحترام، ويريد سلاماً يحفظ مصالح الشعبين، لكنه لن يتنازل عن حقه في حماية أرضه ومقدراته وكرامة مواطنيه.

 

ويا مؤسسات العالم، إن السودان لا يطلب منكم أن تنحازوا إليه دون دليل، وإنما يطلب أن تنحازوا إلى القانون، وأن تحققوا في الوقائع، وأن تمنعوا تحول الخلافات السياسية إلى تهديد للسلم الإقليمي.

 

فالدبلوماسية ليست باباً للاستسلام، والسيادة ليست ورقة للمساومة، والسلام ليس صمتاً على انتهاك الحقوق.

 

يتبع في الجزء الخامس: مجلس الأمن أم مجلس اللا أمن؟ من يحاسب المعتدي حين تصمت المؤسسات الدولية، وهل أصبحت العدالة الدولية رهينة المصالح السياسية والنفوذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى