مقالات الظهيرة

(أذان صاغية) سلسلة انتصارات معركة الكرامة (2)… جبل موية.. يوم تغيّر مسار المعركة!!

بقلم: عامر إبراهيم محمد المحامي

خبير في القانون الدولي الإنساني

لم تكن معركة جبل موية مجرد مواجهة عسكرية على منطقة جغرافية محدودة، بل كانت محطة مفصلية في مسار الحرب، لما يمثله الموقع من أهمية استراتيجية في الربط بين سنار والجزيرة، وتأثيره المباشر على خطوط الحركة والإمداد. وقد ارتبطت استعادة جبل موية بتحول مهم في موازين العمليات، وبآمال المواطنين في استعادة الأمن وعودة الحياة إلى مناطق أنهكتها الحرب.

جبل موية.. الموقع الذي أعاد وصل الجبهات

تقع منطقة جبل موية في ولاية سنار، وتكتسب أهميتها من موقعها الذي يربط سنار بالنيل الأبيض والجزيرة، ويشرف على طرق حيوية للحركة والإمداد. ولم تكن السيطرة عليها مسألة جغرافية عابرة؛ إذ إن المرتفعات والممرات المحيطة بها جعلتها نقطة مؤثرة في العمليات العسكرية بالمنطقة.

سقوط جبل موية.. بداية مرحلة صعبة

الرابع والعشرين من يونيو 2024، سيطرت قوات الدعم السريع على منطقة جبل موية، ثم امتد تأثير هذا التطور إلى بقية مناطق ولاية سنار. وبعد ذلك، تمكنت من السيطرة على سنجة، عاصمة الولاية، ومناطق أخرى، الأمر الذي وضع القوات المسلحة أمام تحدٍ كبير في المحافظة على خطوطها ومواقعها.

وقد أدى سقوط جبل موية إلى قطع الطريق الذي يربط قوات الجيش في سنار بقواته في ولاية النيل الأبيض، كما منح القوات المسيطرة على المنطقة قدرة على الضغط على مواقع عسكرية ومدن مجاورة. وتصف تحليلات مراكز الرصد العسكري هذا التطور بأنه أحد التحولات المهمة في جبهة سنار خلال صيف 2024.

ولم تكن آثار ذلك عسكرية فقط؛ فقد عاش المواطنون في المنطقة وما حولها حالة من الخوف والاضطراب، وتعرضت حياة الأسر للتبدل القسري بفعل القتال والنزوح وانقطاع سبل العيش. ومن المهم أن تظل شهادات الأهالي ووثائقهم جزءاً من سجل هذه المرحلة، حتى تُروى الوقائع كما حدثت، وتُحفظ حقوق المتضررين.

في الثالث من أكتوبر 2024، تصاعدت العمليات العسكرية حول جبل موية، وتقدمت القوات المسلحة من أكثر من محور، في محاولة لاستعادة الموقع وتأمين الطريق الحيوي بين سنار وربك. وقد شهدت المنطقة معارك عنيفة، تبادل خلالها الطرفان التصريحات بشأن السيطرة على مواقع مختلفة، قبل أن تتأكد استعادة الجيش للمنطقة في الخامس من أكتوبر.

وفي ذلك اليوم، أعلنت القوات المسلحة استعادة جبل موية، والتحام قواتها القادمة من سنار مع القوات المتقدمة من ولاية النيل الأبيض. وأكدت تقارير صحفية أن العملية أعادت فتح طريق سنار–ربك، وأعادت الربط بين القوات في الولايتين بعد انقطاع استمر عدة أشهر.

كان هذا التحاماً ذا دلالة عسكرية ومعنوية؛ فقد مثّل استعادة الاتصال بين القوات، وأعاد قدراً من حرية الحركة والإمداد، وأضعف قدرة قوات الدعم السريع على استخدام جبل موية قاعدةً للضغط على سنار والنيل الأبيض.

فرحة الاستعادة.. وأمل العودة

مع إعلان استعادة جبل موية، ظهرت مشاهد احتفاء في صفوف القوات، كما عبّر مواطنون ومؤيدون للجيش عن فرحتهم بهذا التطور، باعتباره خطوة نحو استعادة المناطق التي فقدت السيطرة عليها في لم تتوقف أهمية استعادة جبل موية عند حدودها الجغرافية؛ فقد أعادت وصل القوات في سنار والنيل الأبيض، وغيّرت حسابات العمليات في المنطقة، كما مهدت لتطورات عسكرية لاحقة في سنار والجزيرة. وقد ربطت تحليلات عسكرية استعادة الموقع بزيادة الضغط على قوات الدعم السريع في مناطق سنار، وباستعادة زمام المبادرة في محاور وسط السودان.

وفي الثالث عشر من أكتوبر 2024، زار القائد العام للقوات المسلحة جبل موية، بعد أيام من استعادته، في زيارة هدفت إلى رفع الروح المعنوية للقوات وتأكيد أهمية الموقع في العمليات الجارية.

وهكذا، يظل جبل موية محطة بارزة في سجل معركة الكرامة؛ ليس فقط لما حملته استعادته من دلالات عسكرية، بل لما مثّلته من أمل للمواطنين في استعادة الأمن، وفتح الطرق، وعودة النازحين إلى ديارهم.

غير أن النصر الحقيقي لا يكتمل بمجرد استعادة المواقع، بل باستعادة حياة الناس، وصون كرامتهم، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وترميم ما أصاب المجتمع من جراح.

وفي الحلقة القادمة من سلسلة انتصارات معركة الكرامة (3)، ننتقل إلى سنار، ونرصد مسار استعادة مدنها ومناطقها، وما حملته تلك المرحلة من تحولات عسكرية وإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى