د. إسماعيل الحكيم يكتب…. صداقات التاريخ وصراع الوجود: قراءة في دلالات وتوقيت إطلالة أحمد هارون عبر “بودكاست السودان”

تتحول بعض اللحظات العارضة في عمر الأوطان إلى منعطفات كبرى تعيد تشكيل الوعي الجماعي وتفرض واقعاً سياسياً جديداً لم يكن محسوباً بدقة في حسابات الخصوم. وفي هذا السياق، جاء ظهور القيادي البارز بالمؤتمر الوطني، مولانا أحمد هارون.
عبر منصة “بودكاست السودان”، ليمثل حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، متجاوزاً حدود الحوار التقليدي ليغدو وثيقة سياسية ناطقة ومحطة مفصلية في خضم حرب الوجود التي تخوضها البلاد. لقد شكلت هذه الإطلالة منبراً متكاملاً لطرح فكر التيار الإسلامي ورؤيته، وبعثت برسائل دقيقة مشفرة ومباشرة في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد.
رسائل هارون تكتسب وزنها الاستثنائي من التوقيت الحقيقي لاختيار لحظة الظهور؛ إذ تتزامن مع مخاض عسير تحاول فيه آلة الدعاية المضادة هدم جذور المشروع الوطني والإسلامي وتفكيك بنية الدولة.
لقد مثل هذا الحضور دحضاً عملياً لتلك المحاولات، وإعادة اعتبار ميدانية ونفسية لقطاعات واسعة من أنصار التيار الإسلامي الذين رأوا في غياب رموزهم القسري محاولة لطمس أثرهم.
وفي الوقت ذاته، قطع الخطاب الطريق أمام المراهنين على تشظي الصف القيادي للنظام السابق، مرسلاً صورة متماسكة عن وحدة الرؤية والصلابة التنظيمية في مواجهة عواصف المحن، ليعيد طرح الإسلاميين كقوة فاعلة لا يمكن تجاوزها في معادلات البقاء الوطني.
تتحرك الكتلة الإسلامية اليوم من منطلق الحفاظ على بقاء الدولة لا منصب حزبي ضيق، وهو ما حرص هارون على تأصيله بالتركيز على الجذور المجتمعية العميقة للحركة الإسلامية في وجدان الإنسان السوداني. لقد عكس الطرح الهاروني نقلاً نوعياً لخطاب الإسلاميين من موقع التبرير والدفاع الاستراتيجي إلى منصة المبادرة وطرح الأطروحات الكفيلة بإنقاذ البلاد، مكرساً قناعة راسخة لدى القواعد بأن حماية النسيج السوداني واستمرارية مؤسساته تتقدم على أي اعتبار آخر. وفي ذات الإطار، جاء الحديث عن طبيعة التعاطي مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ليضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن العلاقة لا تُقرأ من منظور المحاصصة الحزبية الضيقة، وإنما بوصفها تقاطع إرادات وطنية تفرضها حتمية الدفاع عن سيادة التراب السوداني في وجه آفة التمرد، ومسقِطاً في الوقت ذاته الفرية المروّجة حول تبعية الجيش المطلقة لتيار سياسي بعينه.
تتوزع أبعاد هذا الظهور على مساحات متعددة تتجاوز البعد السياسي المباشر لتلامس عمق الوجدان المجتمعي والأمني.
فسياسياً، شكل الخطاب إعلاناً ضمنياً بأن أي هندسة قادمة لتسوية الأزمة ستكون قاصرة إن تجاهلت الثقل الحقيقي والوازن للتيار الإسلامي والقوى الوطنية الصلبة. واجتماعياً، استند هارون إلى رصيد تعاطف تاريخي موظفاً مفاهيم العدالة والكرامة لإعادة جسر الهوة بين القواعد الشعبية والقيادات. وأمنياً وعسكرياً، بعث برسائل إسناد معنوي رفيعة المستوى لجنود الخطوط الأمامية تثبت العقيدة القتالية وتؤكد أن ظهيرهم الوطني بمعزل عن الوهن والانهيار.
تتلخص المضامين الخفية والرسائل الكبرى لهذا الظهور في إعلان حضور الفاعلين بأن الجذور راسخة والأثر مستمر، وأن التحالف مع المؤسسة العسكرية غايته صون الدولة لا الهيمنة على مفاصلها، وأن المستقبل لن يشهد تسوية تتجاوز حقيقة فاعلية التيار الإسلامي.
هكذا تجاوزت إطلالة مولانا أحمد هارون الأطر الإعلامية المعتادة لتشكل بياناً سياسياً واستراتيجياً أعلن نهاية مرحلة الصمت وبداية استعادة المبادرة، مؤكدة أن خارطة السودان المستقبلية ستُعاد صياغتها على هدى هذه التحولات العميقة التي عصت على كل محاولات الاجتثاث والوأد.



