مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الخماسية… أتوا البيوت من أبوابها!!

شرف وفد الآلية الخماسية الخرطوم أخيرًا، بعد تطواف طويل بين عواصم الدول، وبعد اجتماعات ومشاورات ونقاشات جرت بعيدًا عن أصحاب الشأن الحقيقيين في هذه القضية: الحكومة والشعب السوداني.

 

سنوات ونحن نسمع عن مبادرات ولقاءات ومؤتمرات تُعقد هنا وهناك، ويتحدث فيها الآخرون عن السودان وكأن السودانيين غائبون عن قضيتهم، وكأن مستقبل وطنهم يمكن أن يُرسم في عواصم بعيدة عن الخرطوم.

 

لكن يبدو أن الخماسية أدركت أخيرًا أن البيوت لا تُدخل من النوافذ، وأن السودان لا يُفهم من خارج السودان.

 

ها هم الآن في العاصمة الخرطوم، داخل القصر الجمهوري ومجلس الوزراء، يستمعون مباشرة إلى موقف الحكومة، ويلتقون بأصحاب القرار، ويشاهدون بأعينهم واقع البلاد، وكيف بدأ السودان يتعافى من جراح عميقة خلّفتها حرب الدعم السريع.

 

وهنا تحديدًا تكمن قيمة هذه الزيارة.

 

فالسودان ليس دولة مستحدثة تحتاج إلى من يعرّفها بالعالم، ولا قضية بلا أصحاب حتى يتولى الآخرون الحديث باسمها.

 

السودان من الدول التي ساهمت في تأسيس الاتحاد الأفريقي والإيقاد والجامعة العربية، وهو من الدول العريقة في الأمم المتحدة، وله علاقات تاريخية ومصالح مشتركة مع الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي.

 

فلماذا كل هذا التأخير في الوصول إلى الخرطوم؟

 

ولماذا كان من السهل على بعض الأطراف أن تسافر إلى عواصم العالم، بينما كان الوصول إلى عاصمة السودان يبدو وكأنه آخر الخيارات؟

 

ومع ذلك نقول: أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي.

 

والأهم الآن ألا تكون زيارة الخرطوم مجرد محطة جديدة في جولة دبلوماسية، وإنما بداية حقيقية لتصحيح المسار.

 

لقد كانت الحكومة السودانية واضحة وصريحة: لا سلام مع بقاء المليشيا المسلحة، ولا عودة للدعم السريع بأي صورة أو مسمى، ولا اعتراف بأي أجسام موازية للدولة السودانية.

 

وهذه ليست مواقف تفاوضية قابلة للمساومة، وإنما أبجديات قيام الدولة.

 

فلا توجد دولة بجيشين، ولا سيادة بسلاحين، ولا يمكن بناء سلام حقيقي على أنقاض دولة موازية، ولا يمكن أن يكون منطق القوة هو الطريق إلى السلطة.

 

ومن أهم ما حملته الزيارة كذلك أن الحوار السوداني داخل السودان شأن سوداني، وأن دعم الخماسية لهذا الحوار يمثل تحولًا مهمًا في الاتجاه الصحيح.

 

نحن لا نرفض مساعدة المجتمع الدولي، ولا نرفض الدور الإقليمي والدولي، ولكننا نرفض أن تتحول المساعدة إلى وصاية، وأن يتحول الدعم إلى حق في تقرير مصير السودان نيابة عن أهله.

 

السودانيون هم أصحاب الوجعة، وهم الذين دفعوا الثمن، وهم الذين يجب أن تكون لهم الكلمة الأولى في تحديد مستقبل بلادهم.

 

ولذلك فإن أكبر ما في هذه الزيارة ليس فقط أن الخماسية جاءت إلى الخرطوم، وإنما أنها اعترفت عمليًا بأن الطريق إلى السودان يمر عبر السودان نفسه.

 

هذه هي الرسالة التي ينبغي تثبيتها من الآن فصاعدًا:

 

لا حوار عن السودان دون السودانيين، ولا سلام فوق إرادة السودانيين، ولا مستقبل للسودان يُكتب خارج السودان.

 

لقد آن الأوان أن يتوقف العالم عن التعامل مع السودان كملف تتقاذفه العواصم، وأن يتعامل معه كدولة لها شعب ومؤسسات وسيادة.

 

فالذين يريدون السلام عليهم أن يستمعوا إلى أهل السودان.

 

والذين يريدون مساعدة السودان عليهم أن يتعاملوا مع دولته.

 

والذين يريدون المشاركة في مستقبله عليهم أن يدركوا أن السودان ليس أرضًا بلا أصحاب.

 

مرحبًا بالخماسية في الخرطوم…

 

فقد أتوا أخيرًا إلى المكان الصحيح، واستمعوا إلى أصحاب الشأن، وشاهدوا الحقيقة على الأرض.

 

ولعلها تكون بداية عهد جديد:

 

أن تُفتح أبواب السودان من الداخل، وأن يدخلها الآخرون من أبوابها… لا من نوافذ العواصم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى