(على بلاطة) عبير دفع الله عزالدين تكتب…الجريمة التي تبدأ من هاتف!!

لم تعد الجريمة تحتاج دائما الى شارع مظلم او باب مكسور او مواجهة مباشرة، فقد تبدأ برسالة تصل الى الهاتف، او رابط يتم الضغط عليه، او حساب مجهول يتواصل مع صاحبه، ثم تكبر الحكاية حتى يجد الانسان نفسه امام جريمة لم يتوقع يوما ان يكون طرفا فيها.
الهاتف الذي نحمله في ايدينا كل يوم اصبح جزءا من تفاصيل حياتنا، نحفظ فيه صورنا وبياناتنا واموالنا وعلاقاتنا وخصوصيتنا، ولذلك اصبح هدفا مغريا للمحتالين ومجرمي الفضاء الالكتروني.
ومع اتساع استخدام وسائل التواصل والتطبيقات المصرفية والخدمات الالكترونية، تطورت اساليب الجريمة وتنوعت، ولم يعد المحتال بحاجة الى معرفة ضحيته بصورة مباشرة، بل يكفيه احيانا حساب وهمي او رسالة مقنعة او معلومة صغيرة يجمعها من فضاء الانترنت.
الجرائم الالكترونية لا تتوقف عند الاحتيال المالي، بل تشمل الابتزاز وانتحال الشخصية واختراق الحسابات وسرقة البيانات ونشر الصور الخاصة والتشهير والتهديد ونشر المعلومات المضللة، وغيرها من الممارسات التي يمكن ان تترك اثارا نفسية واجتماعية ومادية عميقة على الضحايا.
والاخطر ان كثيرا من هذه الجرائم يبدأ من خطأ بسيط.. كلمة مرور يتم مشاركتها، رمز تحقق يمنح لشخص مجهول، رابط يفتح دون التأكد من مصدره، صورة خاصة ترسل في لحظة ثقة، او معلومات شخصية يتم نشرها دون ادراك لقيمتها وخطورتها.
هنا يصبح الوعي خط الدفاع الاول.
فالمواطن لا يحتاج فقط الى معرفة ان الجريمة الالكترونية موجودة، بل يحتاج الى معرفة كيف تبدأ وكيف يتجنبها وماذا يفعل اذا تعرض لها.
يجب ان نتعلم جميعا الا نثق في الرسائل المجهولة، والا نشارك رموز التحقق او البيانات المصرفية، وان نستخدم كلمات مرور قوية، وان نراجع اعدادات الخصوصية، وان نتعامل بحذر مع الروابط والحسابات غير المعروفة.
كما ان الاسرة لها دور مهم، خاصة في حماية الاطفال والشباب الذين يقضون ساعات طويلة في العالم الرقمي.
فالتوعية لا تعني منع استخدام التقنية، بل تعني تعليم كيفية استخدامها بصورة آمنة ومسؤولة.
وهنا يأتي دور الشرطة، الذي لم يعد محصورا في الشارع ومسرح الجريمة التقليدي. فالشرطة اضحت مواكبة للتطور التقني، عبر تطوير قدرات منسوبيها في مجال الجرائم الالكترونية، ورفع كفاءة التحري الرقمي وتتبع الجرائم، الى جانب تكثيف حملات التوعية للمواطنين وتعريفهم بمخاطر الفضاء الالكتروني وطرق الوقاية منه.
والتعامل مع الجرائم الالكترونية يحتاج كذلك الى سرعة في الابلاغ. فالضحية لا ينبغي ان يصمت خوفا او احراجا، ولا ان يحاول معالجة الامر بنفسه بطريقة قد تزيد المشكلة تعقيدا.
الابلاغ المبكر يساعد الجهات المختصة على اتخاذ الاجراءات المناسبة وحماية الضحية وتقليل اثار الجريمة.
والوعي هنا مسؤولية مشتركة بين الشرطة والاسرة والمدرسة والاعلام والمجتمع، لان التقنية تتطور بسرعة، والجريمة تتطور معها.
نحن بحاجة الى الانتقال من التعامل مع الجرائم الالكترونية بعد وقوعها الى الوقاية منها قبل ان تبدأ، وذلك عبر برامج توعية مستمرة تصل الى المدارس والجامعات والاسواق والاحياء ومؤسسات الدولة، وتبسط للمواطن مخاطر الاستخدام غير الآمن للتقنية.
إن تطوير وحدات متخصصة في مكافحة الجرائم الالكترونية، والتأهيل المستمر للكوادر الشرطية تقنيا، وتحديث وسائل الرصد والتحري، وتعزيز التعاون مع المؤسسات المصرفية وشركات الاتصالات والجهات ذات الصلة، كلها خطوات ضرورية لمواكبة هذا النوع من الجرائم.
وفي المقابل، على الناس ان يغيروا طريقة تعاملهم مع الهاتف. فليس كل حساب صديقا، وليس كل رسالة حقيقة، وليس كل رابط آمنا، وما نضعه في العالم الرقمي قد لا يبقى خاصا كما نتصور.
لقد اصبح الهاتف جزءا من حياتنا، ولذلك يجب ان يصبح الوعي الرقمي جزءا من ثقافتنا الامنية.
ففي زمن تتغير فيه اشكال الجريمة، قد يكون اقرب طريق الى الجريمة.. شاشة صغيرة في راحة اليد.
الجريمة قد تبدأ من هاتف، لكن الوقاية يمكن ان تبدأ ايضا من هاتف.. بمعلومة صحيحة، ووعي حاضر، وتصرف مسؤول.



