المنوعات

استبدال العملة بولاية الجزيرة.. كيف خاض بنك الخرطوم معركة الثقة والسيولة حتى الساعات الأخيرة؟

الظهيرة – تقرير : تاج السر ود الخير :

لم تكن عملية استبدال العملة بولاية الجزيرة مجرد إجراء مصرفي اعتيادي، بل مثلت واحدة من أكثر العمليات الاقتصادية تعقيداً وحساسية في ظل واقع استثنائي فرضته الحرب، وتداعياتها على حركة النقد، والثقة في الجهاز المصرفي، واتساع دائرة الاقتصاد الموازي.

العملية اختبار مزدوج:

ولهذا جاءت العملية باعتبارها اختباراً مزدوجاً؛ اختباراً لقدرة الدولة على إعادة ضبط الكتلة النقدية، واختباراً موازياً لقدرة البنوك على استعادة ثقة المواطنين تحت ضغط الازدحام والتحديات الفنية واللوجستية.

 

وفي قلب هذا المشهد، برز بنك الخرطوم بوصفه أحد أكثر المؤسسات المصرفية حضوراً وتأثيراً في إدارة ملف الاستبدال داخل ولاية الجزيرة، عبر انتشار واسع لفروعه، وتحركات ميدانية مكثفة، ودفع بأتيام بشرية وفنية عملت بصورة شبه متواصلة حتى ساعات الفجر.

اعادة أموال الخارج:

العملية في بعدها الاقتصادي لم تكن تستهدف فقط تبديل أوراق نقدية بأخرى جديدة، وإنما سعت إلى إعادة الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي إلى القنوات الرسمية، ومكافحة التزييف، وتقليل حجم السيولة المكتنزة خارج البنوك، بما يسمح لبنك السودان المركزي باستعادة قدر أكبر من السيطرة على السياسة النقدية وحركة السوق.

خطة ميدانية شاملة:

ومن هذا المنطلق، تحركت إدارة بنك الخرطوم وفق خطة ميدانية شاملة قادها الصادق إيدام مدير إدارة فروع الولايات، إلى جانب الأستاذ معتصم عبدالله مدير منطقة الجزيرة وشرق الجزيرة، حيث شملت التحركات فروع مدني والحصاحيصا والمناقل وأم القرى، باعتبارها مناطق ذات كثافة سكانية وتجارية عالية وتمثل امتداداً جغرافياً واسعاً يغطي معظم محليات الولاية وقراها.

قراءة لطبيعة الأداء المصرفي:

وفي قراءة لطبيعة الأداء المصرفي خلال فترة الاستبدال، أكد الصادق إيدام أن البنك لم يتعامل مع العملية باعتبارها نشاطاً منفصلاً عن الخدمات البنكية الأخرى، بل حرص على استمرار المعاملات المصرفية بصورة طبيعية بالتوازي مع تنفيذ إجراءات الاستبدال، رغم الضغط الهائل الذي شهدته الفروع خاصة في الأيام الأخيرة.

هذه النقطة تعكس فهماً مصرفياً مهماً، لأن توقف الخدمات البنكية أثناء عمليات الاستبدال كان يمكن أن يؤدي إلى شلل اقتصادي واسع، خصوصاً في ولاية تعتمد على النشاط الزراعي والتجاري اليومي بصورة كبيرة.

 

وأشار إيدام إلى أن اليوم الأخير شهد ازدحاماً غير مسبوق، إلا أن العاملين بالبنك واصلوا أداءهم بهمة ونشاط، بينما عملت الإدارة على احتواء حالة الضغط عبر توسيع ساعات العمل وتنظيم حركة العملاء داخل الفروع.

وتكشف هذه الجزئية عن بعد آخر في العملية، يتمثل في إدارة الثقة العامة؛ فنجاح أي عملية استبدال للعملة لا يقاس فقط بحجم الأموال المستبدلة، وإنما بقدرة المؤسسات المصرفية على إقناع المواطنين بأن أموالهم ستجد طريقها الآمن داخل النظام البنكي دون تعقيدات أو تعطيل.

 

ولذلك، فإن تمديد ساعات العمل حتى السادسة مساءً وفق قرار بنك السودان المركزي، إلى جانب استمرار بعض الموظفين حتى ساعات متأخرة من الليل، لم يكن مجرد جهد إداري، بل جزءاً من معركة الحفاظ على الاستقرار النفسي والاقتصادي للمواطنين في لحظة شديدة الحساسية.

 

من جانبه، أوضح الأستاذ معتصم عبدالله مدير منطقة الجزيرة وشرق الجزيرة أن البنك نفذ ترتيبات ميدانية وفنية واسعة شملت دعم الفروع بموظفين إضافيين وماكينات حديثة لكشف التزييف واستقبال العملات، إلى جانب تهيئة بيئة العمل داخل الفروع وتوفير الخدمات الأساسية للعملاء.

وتكشف هذه الخطوات عن إدراك مبكر لطبيعة المخاطر المصاحبة لعمليات استبدال العملة، خاصة ما يتعلق بمحاولات تمرير أوراق مزورة أو استغلال الضغط الجماهيري لإرباك العمل المصرفي.

المناقل…. ماكينات متطورة :

وفي المناقل، دفعت الإدارة بماكينات متطورة لكشف التزييف، بينما شهدت الحصاحيصا إنشاء صيوان كبير لخدمة مواطني تمبول ورفاعة والهلالية وأبو عشر والقرى المجاورة، في محاولة لتخفيف الضغط عن الفروع وتقليل معاناة المواطنين.

أما في أم القرى، فقد تم دعم الفرع بعربة تشغيلية إضافية قادمة من القضارف، مع رفده بموظفين جدد لضمان انسياب الخدمة.

 

لكن الجانب الأكثر دلالة في التجربة يتمثل في البعد الإنساني داخل القطاع المصرفي نفسه.

فبحسب إفادات قيادات البنك، اضطر عدد من الموظفين للمبيت داخل الفروع، بينما امتدت ساعات العمل في بعض المواقع حتى الثانية والثالثة صباحاً، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي واجهته البنوك خلال العملية.

وهذا يكشف أن نجاح السياسة النقدية لا يعتمد فقط على القرارات المركزية، بل على قدرة المؤسسات التنفيذية والعاملين في الميدان على تحويل القرارات إلى خدمة فعلية تصل للمواطن.

 

كما استفاد البنك من تجارب سابقة في الولايات الآمنة مثل القضارف وكسلا وبورتسودان ونهر النيل، حيث جرى تطبيق نماذج تنظيمية مشابهة تعتمد على التنسيق بين الفروع، وتوزيع الكوادر، واستخدام فرق متحركة مجهزة فنياً وأمنياً للوصول إلى المناطق الطرفية.

استثمار العملية لثقة المواطن:

ومن الواضح أن بنك الخرطوم حاول أيضاً استثمار العملية في إعادة ترميم العلاقة بين المواطن والجهاز المصرفي، خاصة بعد سنوات من التحديات الاقتصادية وفقدان الثقة في القطاع البنكي.

ولهذا ركزت الإدارة على تحسين بيئة الفروع، وتوفير خدمات التكييف ومبردات المياه، ورفع شعار “أنت أولاً”، في رسالة تهدف إلى تقديم صورة مختلفة للبنك باعتباره مؤسسة قادرة على العمل حتى في أكثر الظروف تعقيداً.

حكومة الجزيرة وبنك السودان… دور محوري:

كما لعبت حكومة ولاية الجزيرة وبنك السودان المركزي دوراً محورياً في إنجاح العملية، عبر التنسيق المباشر مع إدارات البنوك، ومتابعة سير الأداء ميدانياً، في وقت حظيت فيه العملية بمتابعة من قيادات البنك المركزي، من بينهم سامي عبدالحفيظ نائب محافظ بنك السودان المركزي.

 

في المحصلة النهائية، فإن تجربة استبدال العملة بولاية الجزيرة تكشف عن حقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن استعادة الاستقرار النقدي لا تتحقق فقط عبر إصدار قرارات مالية، وإنما عبر بناء شبكة ثقة متكاملة بين الدولة والبنوك والمواطنين.

وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن بنك الخرطوم لم يكن مجرد منفذ لإجراءات مصرفية، بل تحول إلى غرفة عمليات اقتصادية وإنسانية عملت تحت ضغط هائل من أجل حماية الدورة النقدية ومنع انهيار الثقة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في الاقتصاد السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى