ياسر محمد محمود البشر يكتب…. ثـــورة ديـسمبـــر.. هل خـذل السياسيون صناعــها؟
*فى ديسمبر ٢٠١٨ لم يخرج الشباب السودانى إلى الشوارع بحثاً عن محاصصات حزبية أو كراسى سلطة بل خرجوا بصدور عارية يهتفون حرية سلام وعدالة كان إعتصام القيادة العامة تجسيداً لوحدة وطنية غير مسبوقة لكن اليوم وبعد مرور ثمانية سنوات عجاف يرى الكثيرون أن تلك التضحيات سُرقت في ليلٍ سياسى بهيم ليتحول حلم البناء إلى كابوس حرب لا تبقى ولا تذر بعد ان تم إستغلال الشباب السودانى أبشع وأسوأ إستغلال يشهده تاريخ السودانى السياسى*.
*فقد تم إختطاف ثورة ديسمبر إختطاف سياسي وضاع الطريق حيث يرى ناشطون من لجان المقاومة أن الأحزاب السياسية التي كانت غائبة أو مترددة في بدايات الحراك سارعت إلى القفز على منصة الثورة فور سقوط نظام الرئيس البشير بدلاً من التركيز على قضايا الانتقال الديمقراطى الجذرى وتلبية مطالب الشفاتة والكنداكات والسانات انغمست القوى السياسية فى صراعات داخلية على المناصب والوزارات فى الوقت الذى حوّل فيه السياسيون دماء الشباب إلى سلعة بضاعة مزجاة وأوراق ضغط فى مفاوضات الغرف المغلقة ونسوا أن الثورة قامت من أجل المواطن البسيط لا من أجل استبدال نخب بنخب أخرى*
*فيما تمت عملية تفتيت وحدة الشباب بدلاً من دعم الحراك الشبابى المستقل عملت الآلة السياسية على استقطاب الشباب وتقسيمهم إلى ولاءات حزبية ضيقة هذا التفتيت أضعف حائط الصدّ المنيع الذى كان يشكله الشارع مما فتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية والتجاذبات العسكرية التي أدت في النهاية إلى انسداد الأفق السياسى وتحول الصراع فى السودان من المنصات إلى المدافع الأمر الذى جعل الكثير من السودانيين يقفون فى الحد الفاصل ما بين الفشل السياسى فى إدارة الفترة الانتقالية وبين اندلاع الحرب الحالية فالتكالب على السلطة وإهمال ملف الترتيبات الأمنية وتغليب المصلحة الحزبية على مصلحة الوطن خلق بيئة خصبة للانفجار المسلح*
*يمكن القول أن النتائج الكارثية للسرقة السياسية لثورة ديسمبر ضياع البوصلة وتحول النقاش من كيف ننهض بالسودان؟ إلى من يحكم السودان؟ علاوة على تغييب العدالة ولم يتم القصاص للشهداء بشكل حقيقي مما ولّد شعوراً بالخذلان لدى أسر الضحايا وثالثة الأثافى إندلاع الحرب الشاملة التى حولت البلاد من نموذج للثورة السلمية الملهمة للعالم إلى ساحة حرب دمرت البنية التحتية وهجرت الملايين وكان من الممكن تفادى هذا الدمار لو صدقت النوايا السياسية وإن دماء الشباب التي روت تراب الوطن ما زالت تطلب العدالة ليس فقط من القتلة المباشرين بل ممن تسببوا بانتهازيتهم في ضياع أعظم فرصة للتغيير في تاريخ السودان الحديث*
*فبينما كانت زغاريد النساء وهتافات الشباب تملأ سماء الخرطوم في أبريل ٢٠١٩ لم يتخيل أكثر المتشائمين أن تلك السلمية المدعاة ستنتهى بدوى المدافع وصراخ الثكالى اليوم ينظر السودانيون إلى الوراء ثمانية سنوات بحسرة يتمنون لو عادت بهم عقارب الزمان الى عهد الرئيس البشير ليعتذروا له على ما قاموا به ضده مؤكدين أن الحرب الحالية ليست إلا النتيجة الحتمية لمغامرات سياسية سرقت تضحيات الشباب وباعت دماء الشهداء في سوق المحاصصات ووئد أحلامٌهم تحت ركام المحاصصة من الذين قضوا أيام الاعتصام أمام القيادة العامة كانوا يتقاسمون الرغيفة والماء ويحلمون بوطن يسع الجميع زلم يكونوا يعرفون شيئاً عن الأحزاب أو الاتفاقيات الإطارية حتى دخل السياسيون ميدان الإعتصام ببدلاتهم الأنيقة ووعدوهم بالمدنية ثم بدؤوا يتصارعون على الكراسى وكأن دماء الشباب الذين سقطوا كانت مجرد تذكرة عبور لمناصبهم فاليوم معظم الذين ترسوا الطرقات وإعتصموا بالقيادة العامة لاجئيين في دول الجوار وبيوتهم فى الخرطوم نهبتها المليشيا جراء الحرب التي أشعلها فشل هؤلاء السياسيين فى التوافق*
*وتفرق تجار السياسة ودماء الشهداء في شوارع النزوح المكتظة بالسودانيين فقد إلتقيت بوالدة أحد شهداء المتاريس التي لخصت المشهد بكلمات بسيطة وقاسيةابنى مات وهو يهتف حرية وسلام وعدالة السياسيون الذين ركبوا الموجة جعلوا من دم ابنى سلعة للمقايضة خذلونا جميعاً فتحوا الأبواب للنزاع المسلح بدلاً من بناء دولة القانون الآن لا نحن حصلنا على العدالة ولا حافظوا لنا على الوطن وتحول السودان من دولة مدنية إلى حرب شاملة بسبب الانقسامات الحزبية والتهافت على السلطة هو ما مهد الطريق للميليشيات للاستقواء وتفجير الوضع أما الأحزاب السياسية لم تكن بمستوى تضحيات الشارع وبدلا من أن يتحدوا لحماية الثورة تآمروا على بعضهم البعض واستخدموا الشباب كدروع بشرية فى صراعاتهم*
*فالحرب الحالية هي الخاتمة البشعة لمسرحية السرقة التي بدأت منذ أول يوم سقط فيه نظام الرئيس البشير وحولت السودان الى واقعٌ مأساوى لا شيء يبقى التقرير الميدانى فى مناطق النزوح ويكشف عن حالة من الكفر بالعملية السياسية برمتها فالمواطن الذي كان يحلم بالديمقراطية أصبح حلمه الآن هو الأمان ولقمة العيش السياسيون الذين سرقوا الثورة يتنقلون اليوم بين العواصم بينما المواطن الذى صنع الثورة بدمه يفقد حياته وأهله فى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل متجرعين مرارة الخذلان بعد أن أصبحت ثورة ديسمبر في ذاكرة السودانيين ثورة نقية دنسها طمع السياسيين والشهادات الحية تؤكد أن الجرح الغائر ليس فقط بسبب الرصاص بل بسبب الخيانة التى حولت ثورة ملهمة إلى حرب وجودية تهدد بتفتيت ما تبقى من السودان*
yassir. mahmoud71@gmail.com



