ياسر محمد محمود البشر يكتب… المسلمـون فـى الحـج…وحدة الحناجر وتشظى الواقع!!
*في بقعة طاهرة تتلاشى فيها الفوارق وتذوب معها الألوان يرتدي أكثر من مليوني مسلم اليوم لباساً واحداً يعكس نقاء القلوب والنيّات معلنين بدء رحلة إيمانية كبرى في يوم التروية بقلوب خاشعة وألسنة تلهج بذكر الله يتهيأ هذا الحشد المليوني المهيب للوقوف غداً الثلاثاء السادس والعشرين من مايو لعام ٢٠٢٦ الموافق للتاسع من ذي الحجة لعام ١٤٤٧ هجرية على صعيد عرفات الطاهر حيث تجتمع الأمة في أقدس لوحة تجسد وحدة الذات والهدف هتاف واحد ورب واحد وجغرافيا ممزقة.
حيث تتحد الحناجر في نداء خالد يزلزل الجبال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك في مشهد يبهر الأبصار ويهز الوجدان من مشارق الأرض ومغاربها جاءوا من كل فج عميق قبلتهم واحدة كتابهم واحد وربهم واحد ولغتهم الروحية تجمعهم رغم تنوع ألسنتهم الجسدية غير أن هذا المشهد الملحمي المهيب الذي يعكس قوة نظرية مرعبة سرعان ما يصطدم بجدار واقع مرير يعيشه الجسد الإسلامي المنهك خارج حدود هذه المشاعر المقدسة*.
*والمفارقة الصادمة والمؤلمة تتبدى بوضوح عندما تنتهي هذه الشعيرة أو حين تلتفت الأعين إلى ما وراء حدود مكة وجبالها فرغم العهد والوعد الذي يقطعه العبد لربه في هذه الأيام المباركة تعصف الخلافات والنزاعات ببلدان المسلمين وتشتعل الحروب والفتن في حواضرهم وكأن هؤلاء الذين يقفون اليوم كتفاً بكتف ويدعون رباً واحداً يتحولون خلف الكواليس السياسية والاجتماعية إلى كيانات غريبة عن بعضها البعض يعادي بعضهم بعضاً وكأنهم لم يرتووا من حوض عقيدة واحدة والسلاح الموجه نحو الداخل والتآمر المستمر لم يعد الأمر يقتصر على مجرد جفاء أو خصومة عابرة بل تعداه إلى مأساة حقيقية تدمي قلب الأمة الإسلامية.
فالأشقاء الذين توحدوا في السعي والطواف تجدهم في واقعهم يوجهون السلاح إلى صدور بعضهم البعض ويهدرون الدماء البريئة في صراعات عبثية ويتآمرون في دهاليز السياسة لإضعاف إخوتهم هذا التمزق الداخلي جعل من الجسد الواحد أشلاء متناثرة ينهش بعضها بعضاً في مشهد يتناقض تماماً مع روحانية المكان والزمان*.
*وفي غمرة هذا التناحر تظهر ظاهرة أكثر مرارة حيث تولت الكثير من الأطراف وجوهها شطر قوى خارجية موادّةً إياها ومستعينة بها على حساب الأخ والشقيق وبدلاً من تفعيل قيم التضامن ونصرة المظلوم وإصلاح ذات البين داخل البيت الواحد أصبحت التحالفات تُبنى خارج حدود الأمة لمكايدة الشركاء في العقيدة والتاريخ مما أفقد الأمة استقلاليتها وجعل قراراتها رهينة بأيدي من لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة وهذا الواقع المؤلم يعيد إلى الأذهان وبقوة ذلك الوصف النبوي الدقيق والموجع حيث أضحى المسلمون اليوم كغثاء السيل فرغم كثرتهم العددية التي تتجاوز المليارين وتجليها في أكثر من مليوني حاج إلا أن هذه الكثرة تفتقد إلى الوزن الاستراتيجي والتأثير الفعلي في الساحة الدولية لقد نزعت المهابة من قلوب أعدائهم، وحلّ الوهن في قلوبهم، فصاروا أعداداً بلا فاعلية وظواهر صوتية تعجز عن حماية مقدساتها أو صون كرامة إنسانها*.
*إن الأزمة الحقيقية التي تطل برأسها في مواسم الحج المعاصرة هي تحول الشعائر العظيمة في أذهان الكثيرين من عبادة تنعكس سلوكاً وتغييراً في الواقع، إلى عادة سنوية مفرغة من مضامينها التربوية والسياسية والاجتماعية إن الحج ليس مجرد رحلة سياحية دينية أو مناسك تؤدى بآلية جامدة بل هو مؤتمر إسلامي عام يستهدف صياغة الأمة وتوحيد كلمتها وهو ما يتغافل عنه الكثيرون اليوم فبقيت الأجساد في مكة وظلت القلوب متفرقة في أودية الدنيا لقد غابت عن واقع المسلمين المعاصر أعظم فرائض البناء الاجتماعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي الجاد لإصلاح ذات البين لم تعد هناك منظومة حقيقية قادرة على كبح جماح الظلم أو فض النزاعات بين الدول والمجتمعات الإسلامية بإنصاف وعدل. ترك الصالحون مصلحتهم العامة وصمت الحكماء فاستبدت بالأمة أهواء الساسة والمصالح الضيقة ليغيب دور الأمة الوسط التي شُرعت من أجل قيادة البشرية وإرساء قيم العدالة والسلام*.
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
*غداً الثلاثاء سيصعد الحجاج إلى صعيد جبل عرفات الطاهر يسكبون العبرات ويرفعون الأكف بالدعاء ويشهدون مغفرة الله ورحمته الواسعة ولكن السؤال الكبير والمؤرق الذي يبقى معلقاً في الأفق هل سيعود هؤلاء الحجاج إلى دولهم بروح جديدة تصلح ما أفسدته السياسة والخصومات أم سينفضّ السامر ويتفرق الجمع ليعود كلٌّ إلى بلده ويمارس ذات العداء والقطيعة ضد أخيه إن لم يغير الحج سلوك الأمة ويوحد صفها في وجه التحديات فسيظل الواقع غثاءً وتظل المأساة قائمة ترقب وعياً حقيقياً ينهض بالأمة من جديد*.
ربــــــــــع شـــــــوكة
*اللهم أهدى المسلمين ووحد بينهم وألف بين قلوبهم وأنت قادر على ذلك*
yassir.Mohammed@gmail.com



