ياسر أبو ريدة يكتب… السودان ليس غنيمة.. ومن يراهن على سقوط الدولة لن يحكمها!
هل يظن الذين يراهنون على إنهاك السودان وإضعاف مؤسساته الوطنية أن الشعب السوداني مجموعة من الفئران التي يمكن إخافتها بالشائعات، أو تضليلها بالحملات الإعلامية، أو دفعها إلى التخلي عن جيشها ووطنها؟ إذا كان هذا هو الرهان، فقد أخطأوا قراءة الشعب السوداني، وأساءوا تقدير ذاكرته ووعيه وإرادته. فهذا شعب عرف معنى الوطن حين دفع ثمنه من دمه وأمنه واستقراره، ويعرف أن الأوطان لا تُحمى بالأماني، ولا تُصان بالخطابات، وإنما بوحدة الصف والتمسك بالمؤسسات الوطنية التي تحفظ للدولة وجودها وسيادتها.
لقد أصبحت ملامح الخطاب الإعلامي المعادي للسودان واضحة لكثير من المواطنين، من التشكيك في تماسك القيادة العسكرية، إلى محاولة دق الأسافين بين القوات المسلحة والقوات المساندة لها، مروراً ببث الرعب واليأس في نفوس المواطنين، والترويج بأن السودان لم يعد آمناً، واستدعاء خطاب العنصرية والكراهية، ومحاولة تسميم علاقات البلاد بالدول التي تدعم مؤسساتها وتسعى إلى استقرارها. إنها محاولات تستهدف إضعاف الجبهة الوطنية من الداخل، وبث الشك في النفوس، وتحويل الخلافات إلى شروخ، والأزمات إلى جسور تعبر عليها المشاريع التي لا ترى في السودان إلا ساحة للصراع على السلطة والنفوذ.
لكن ما ينبغي أن يدركه أصحاب هذه الحملات أن الشعب السوداني ليس غافلاً عما يدور حوله، وليس بحاجة إلى وصاية سياسية أو إعلامية حتى يفهم طبيعة المعركة. فالمواطن الذي رأى مدينته تتعرض للخراب، وبيته يُنهب، وأسرته تتشتت، وحياته تنقلب رأساً على عقب، لا يمكن أن تنطلي عليه محاولات تجميل الوقائع أو إعادة تقديم المشهد وفق حسابات المصالح السياسية. قد تختلف وسائل التضليل، وقد تتغير الوجوه والمنصات، لكن الحقائق التي عاشها الناس ستظل حاضرة في وجدانهم، عصية على المحو والتزييف.
إن الدعم السريع، ومن يساند مشروعه سياسياً وإعلامياً، لا يستطيع أن يصنع شرعية وطنية عبر حملات التشكيك أو الاستثمار في معاناة المواطنين. فالشرعية لا تُستخرج من فوهة البندقية، ولا تُمنح لمن يفرض إرادته بالقوة، ولا تُبنى على أنقاض المدن والقرى ومؤسسات الدولة. وأي حديث عن مستقبل السودان يجب أن يبدأ من احترام سيادته ووحدة أراضيه وحق شعبه في الأمن والاستقرار، ومن إعلاء قيمة الدولة الوطنية على حساب المشاريع التي تجعل السلاح وسيلة لفرض السلطة.
إن القوات المسلحة السودانية ليست مجرد طرف في معركة عابرة، بل مؤسسة وطنية تمثل ركيزة أساسية في حماية البلاد وصون سيادتها. والوقوف معها في مواجهة التمرد موقف يتجاوز الحسابات الحزبية والاصطفافات الضيقة، لأنه يرتبط بمصير وطن لا يحتمل التفكيك، ولا يملك ترف المغامرة بوجوده. ومن هنا، فإن محاولات بث الفرقة بين الجيش والقوات المساندة له لا تخدم سوى خصوم السودان، الذين يدركون أن تماسك الجبهة الوطنية يمثل عقبة أمام تحقيق أهدافهم.
ولا يقل خطورة عن ذلك استهداف علاقات السودان الخارجية، ومحاولة تصوير كل دعم تقدمه الدول الصديقة لمؤسسات الدولة وكأنه مؤامرة أو مصلحة مشبوهة. فالعلاقات بين الدول تقوم على المصالح المشتركة، والتعاون، واحترام السيادة، ومن حق السودان أن يبني علاقاته بما يخدم أمنه واستقراره ومستقبل شعبه. أما محاولة عزل البلاد عن محيطها، وإثارة الشكوك حول كل من يساند مؤسساتها الوطنية، فلن تؤدي إلا إلى خدمة الأجندات التي تتغذى على الفوضى والانقسام.
والرسالة الأوضح هنا أن السودان ليس غنيمة سياسية، وليس فراغاً ينتظر من يملؤه، وليس كرسياً شاغراً تتسابق القوى المتصارعة للاستيلاء عليه. إنه وطن له شعبه وتاريخه ومؤسساته، ولن تُمنح سلطة حكمه لمن يراهن على إضعافه أو إنهاكه أو تفكيك بنيانه. ومن يظن أن طول أمد الحرب سيجعله وريثاً للدولة، فعليه أن يعيد قراءة التاريخ؛ فالشعوب قد تتعب، وقد تتألم، وقد تدفع أثماناً باهظة، لكنها لا تمنح بالضرورة ثقتها لمن يراهن على جراحها، ولا تسلّم مستقبلها لمن يظن أن الفوضى أقصر الطرق إلى الحكم.
إن معركة السودان اليوم ليست معركة سلاح فحسب، بل معركة وعي وإرادة وذاكرة وطنية. ولذلك فإن مسؤولية الإعلام الوطني أن يكشف التضليل، ويفضح حملات التحريض، ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويقف في وجه محاولات تفكيك المجتمع على أسس جهوية أو عنصرية. كما أن مسؤولية القوى الوطنية أن تتجاوز خلافاتها، وأن تجعل بقاء السودان ووحدته فوق كل اعتبار، لأن خسارة الوطن لن تعوضها مكاسب سياسية، وانهيار الدولة لن يترك لأحد سلطة حقيقية يحكم بها.
وفي الختام، نقول لمن يراهنون على سقوط السودان: لا تراهنوا على صبر الشعب حتى تظنوا أن ذاكرته قد ماتت، ولا على جراح الوطن حتى تتوهموا أنكم ستصبحون ورثته. قد تطول الحرب، وقد تتعاظم التحديات، لكن السودان لن يكون جائزة تُمنح لمن حمل السلاح في وجه دولته، ولن تتحول دماء أبنائه إلى سلّم يصعد عليه الطامعون إلى كراسي الحكم. هذه بلاد لها جيشها ومؤسساتها وشعبها، ولها إرادة لن تكسرها حملات التضليل ولا مشاريع التفكيك. ومن يظن أن الطريق إلى السلطة يمر عبر إسقاط الدولة، فليعلم أن الدولة ليست باباً يُهدم ليدخل منه الطامعون؛ فمن يهدم البيت على أهله، لا يصبح مالكه، بل يصبح شريكاً في الخراب. والسودان، بإرادة أبنائه، سيبقى وطناً عصياً على الاختطاف، أكبر من المؤامرات، وأبقى من كل من راهن على سقوطه.



