مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… نافذة جديدة!!

يقال في الأمثال الشعبية السائرة إن من يكتشف أنه يمتطي حصاناً ميتاً، فخير ما يفعله هو أن يترجل عنه فوراً، غير أن المشهد في سوداننا المنهك يبدو عصياً على هذا المنطق البسيط؛ إذ أدمنّا السير على غير هدى، نتقلب من سيئ إلى أسوأ دون أن نكترث لعلامات الاحتضار الماثلة في كل تفصيلة من تفاصيل حياتنا، مكتفين بتدوير الأوهام بدلاً من مواجهة الحقيقة المرة.

إننا لا نكتفي بالجلوس فوق الرميم، بل نتفنن في ابتكار طقوس موازية لجلده، فنغير الفرسان، ونبدل السياط، ونعقد المؤتمرات الطارئة، متوهمين أن العقم الإداري والسياسي يمكن أن ينبض بالحياة إذا ما ألبسناه ثوباً قشيباً. هذا الإصرار المريض على ترويض المستحيل واستنزاف الطاقات في غير محلها يعكس أزمة وعي عميقة ترفض الاعتراف بأن مناهج الترقيع قد استنفدت آخر رصيد لها، وكأننا محكومون بلعنة السير الدائري في حلقة مفرغة لا تنتهي.

غير أن الزجاج المكسور في بلادنا، مهما تعاظم تشظيه، ليس مستحيلاً على إعادة التشكيل إن نحن امتلكنا الشجاعة لنفض غبار التواكل وبدأنا في ترميم الروح قبل الجغرافيا. تبدأ المعالجة الحقة باعتراف شجاع بنهاية الصلاحية لكل الممارسات الاستنزافية التي قامت على الولاءات الضيقة، لصالح بناء عقد وطني جديد يرتكز على الكفاءة وسيادة حكم القانون واحترام كرامة الإنسان. وحين نتخلى عن وهم البعث القسري للماضي البائد، ونشرع في هندسة اقتصاد منتج يستند إلى إدارة علمية رصينة وسواعد أبنائنا،

فإننا لا نكتفي بجمع الشظايا، بل نصنع منها نافذة جديدة تطلّ منها شمس التعافي، لنثبت أن هذا الوطن، وإن اشتد عليه الكرب، يمتلك دائماً من طاقة الحياة والوعي ما يجعله قادراً على النهوض من رماد العبث إلى صدارة البناء واليقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى