مقالات الظهيرة

( درب التبانة) د. الحسين تاج الدين أحمد يكتب… الطيور المهاجرة والعشّ المتجذّر!!

ماذا لو كانت بعض الحلول التي تبحث عنها أوطاننا موجودة بالفعل، لكنها بعيدة عنها؟ ماذا لو كان الطبيب القادر على تطوير مستشفى، والأستاذ القادر على إصلاح مسار تعليمي، والمهندس القادر على معالجة خلل في البنية التحتية، والخبير القادر على اقتراح حلول اقتصادية، جميعهم من أبناء الوطن، لكنهم يعملون في الخارج، حيث وجدوا بيئة تستثمر قدراتهم وتمنحهم فرص التطور؟ هنا تبرز المفارقة: أوطان تعاني من نقص الخدمات، وأبناء يمتلكون خبرات قد تسهم في تحسينها، لكنها تفقد إلى الجسور التى تربطها بصناع القرار.

 

إن هجرة الكفاءات لا تعني خسارة الأيدي العاملة وحدها، بل قد تعني أيضاً ابتعاد المعرفة والتجربة والعلاقات المهنية التي يحتاج إليها الوطن في مسيرته التنموية. فالمغترب الذي عمل و مازال يعمل في المنظومات المتقدمة يستطيع نقل التجارب الناجحة عن طريق التدريب ، المساهمة في تطوير المشروعات ، جذب الاستثمارات، تقديم حلول عملية لمشكلات الإنتاج و الخدمات ولا يعتبر كل ذلك وعوداً سحرية، إنما فرص حقيقية تستحق أن تُدرس وتُستثمر.

 

الاستفادة من هذه الخبرات لا تتطلب عودة جميع المغتربين إلى أوطانهم. حيث يمكن البدء بمشروعات محددة، واستشارات عن بُعد، وبرامج تدريب، وشراكات بين الجامعات والمستشفيات والمؤسسات الوطنية ونظيراتها في الخارج عن طريق إنشاء قاعدة بيانات للكفاءات المغتربة، وربط كل تخصص باحتياج واضح، ثم قياس النتائج وبذلك تنتقل الفكرة من الأمنيات إلى العمل المؤسسي.

 

شراكات الطيور المهاجره لن تنجح بمجرد استدعاء مشاعر الانتماء؛ فالمغترب يحتاج إلى بيئة تحترم خبرته، وتضمن حقوقه، وتتيح له المشاركة بعيداً عن التعقيدات الإدارية والمحسوبية. وفي المقابل، يحتاج الوطن إلى آليات شفافة تضمن أن تُوجَّه الخبرات إلى الأولويات الفعلية، وأن تُنقل المعرفة إلى الكوادر المحلية، بدلاً من أن تبقى المبادرات فردية ومؤقتة.

 

إن المسؤولية هنا مشتركة: على المؤسسات أن تفتح الأبواب، وعلى الطيور المهاجرة أن تسكب كل خبراتها و معرفتها العلمية و العملية، وعلى المجتمع أن يدرك أن بناء الوطن لا يتوقف عند حدود الجغرافيا. فليس من العدل أن نطالب المغترب بالتضحية بكل ما بناه في الخارج، كما أنه ليس من الحكمة أن نترك خبرته معزولة عن احتياجات بلده.

 

إن الخسارة الكبرى ليست في أن تهاجر هذه العقول، بل في أن تنقطع صلتها بالتنمية في أوطانها. النجاح ليس في إعادة الجميع إلى نقطة البداية، بل في تحويل ما اكتسبوه في الخارج إلى قيمة مضافة في الداخل. فالطيور المهاجرة قد لا تعود كلها إلى أعشاشها، لكن خبراتها تستطيع أن تعود، إذا وُجد من يحسن استقبالها واستثمارها.

 

مع تحياتي

د. الحسين تاج الدين احمد

الدوحة – قطر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى