مقالات الظهيرة

(حديثكم) مرتضى أحمد الخليفة يكتب… البلدوزر أحمد عثمان حمزة.. وجه مشرق لولاية الخرطوم

ولاية الخرطوم وجه السودان المشرق وعاصمته الحضارية كانت من أكثر الولايات تأثراً بالحرب التي لم تكتفِ بتدمير المباني والمنشآت بل امتدت آثارها إلى المؤسسات الحكومية والخاصة والشركات والمرافق الخدمية وحصدت أرواح الأبرياء وشرّدت المواطنين الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى بين النزوح واللجوء بعد أن فقد كثيرون منازلهم ومصادر رزقهم

وبين شوارع العاصمة التي أتفقد فيها المواقع الحكومية والخاصة أقف شاهداً على حجم الدمار الذي طال بنيتها التحتية وما خلّفته الحرب من مآسٍ وآلام في نفوس السودانيين ومع ذلك يظل الأمل حاضراً في غدٍ أفضل ومستقبلٍ تنعم فيه بلادنا بالأمن والاستقرار وتتجاوز فيه آثار الحرب والاقتتال

ورغم كل هذه المرارات فإن الخرطوم تستعد لاستعادة عافيتها وتتهيأ لمرحلة جديدة من العمل والإعمار تعيد إليها وجهها الحضاري ومكانتها التي تستحقها وهنا يبرز اسم والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة الذي أطلقنا عليه من قبل لقب «بلدوزر الخرطوم» لما ارتبط باسمه من حضور ميداني وحركة في مواقع العمل والخدمات خلال سنوات الحرب

لقد ظل الرجل وفق ما تابعناه من نشاط الولاية حاضراً في عدد من المواقع التي فرضت فيها الحرب تحديات استثنائية متنقلاً بين المستشفيات ومواقع الخدمات ومراكز الإيواء والتكايا متابعاً أحوال المواطنين ومتفقداً الجرحى والمرضى ومسانداً للجهود الرامية إلى توفير الاحتياجات الأساسية للمتضررين

وفي أوقات كانت فيها أصوات المدافع ودوي الانفجارات حاضرة في سماء العاصمة واصلت أجهزة الولاية والعاملون فيها أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة وظل الوالي ومكتبه وفرق العمل يتحركون لمتابعة الملفات الخدمية والإنسانية في مشهد يستحق التوثيق والتقييم حتى تعرف الأجيال القادمة كيف واجهت مؤسسات الدولة تلك المرحلة القاسية

وما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو ما نأمله من عودة الوجه الحضاري للعاصمة ونحن نستقبل عاماً جديداً تتطلع فيه النفوس إلى السلام والمحبة والاستقرار وتتجدد فيه الآمال بإعادة بناء ما دمرته الحرب

ومن هنا فإنني أدعو إلى إطلاق نفرة إعلامية كبرى لتوثيق إنجازات ولاية الخرطوم خلال الحرب وما بعدها نفرة لا تكتفي بالصور العابرة أو الأخبار اليومية بل تؤسس لذاكرة وطنية تحفظ تفاصيل المرحلة وتوثق جهود العاملين في المؤسسات الخدمية وتروي قصص الصمود والتضحية والعمل في أحلك الظروف

وأقترح أن تبدأ هذه المبادرة بتوزيع فرق إعلامية على محليات الولاية السبع لإعداد بانوراما متكاملة للأحداث تجمع الصور والوثائق والشهادات الميدانية وتوثق ما تعرضت له المؤسسات والمرافق العامة والخاصة من دمار وما بُذل من جهود لإعادة تشغيلها واستعادة خدماتها

كما يمكن إنتاج أفلام وثائقية قصيرة لا تتجاوز مدة الواحد منها خمس عشرة دقيقة تتناول محاور محددة من تجربة الحرب بدءاً من حجم الدمار الذي لحق بالعاصمة مروراً بتضحيات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن وانتهاءً بالجهود الإنسانية التي بذلتها الأجهزة المختصة لإيواء المحتاجين وعلاج الجرحى وتوفير الطعام عبر التكايا والمبادرات المجتمعية

ومن المهم أيضاً إنشاء شاشات عرض في المواقع العامة المناسبة وتنظيم معارض للصور والوثائق وإعداد ملصقات تعريفية توضح تاريخ المؤسسات التي تعرضت للتدمير وكيفية استعادة نشاطها مع تخصيص مساحات تخلّد ذكرى الشهداء وتعرّف الأجيال بتضحياتهم

إن الخرطوم لا تحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده بل تحتاج كذلك إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق التجربة وتكريم الذين صمدوا في وجه الحرب وإبراز الجهود التي أسهمت في حماية المواطنين واستمرار الخدمات

أما الخطوة الثانية فهي إطلاق نفير مجتمعي واسع لاستعادة الوجه الحضاري للعاصمة

نفير تشارك فيه المحليات والوحدات الإدارية ولجان الأحياء والمؤسسات والمدارس والمستشفيات وأصحاب المحال التجارية والمواطنون تحت شعار «نفير الكرامة»، برعاية الولاية وإشراف الجهات المختصة

وتبدأ هذه النفرة من الشوارع والأحياء، بالنظافة وإزالة الأنقاض ومعالجة تجمعات المياه الراكدة وصيانة المرافق العامة وإعادة إنارة الطرق وزراعة الأشجار.المثمره وتحسين البيئة المحيطة بالمدارس والمستشفيات والأسواق حتى تستعيد العاصمة مظهرها الحضاري تدريجياً

ويجب ألا تقتصر هذه المبادرة على وسط الخرطوم أو الشوارع الرئيسية بل تمتد إلى كل محلية ووحدة إدارية وحي وحارة لتصبح إعادة الإعمار مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع

نعم إن المواطن السوداني اليوم يحتاج إلى قفة الملاح والخبز بأسعار مناسبة والدواء والعلاج وإلى رقابة فاعلة على الأسواق والخدمات حتى يتمكن من مواجهة أعباء المعيشة التي أثقلت كاهله وهذه أولويات لا يمكن تجاوزها أو التقليل من شأنها

لكن توفير الاحتياجات الأساسية لا يتعارض مع استعادة الوجه الحضاري للعاصمة فالمواطن يحتاج إلى الغذاء والدواء كما يحتاج إلى بيئة نظيفة وآمنة وطرق مضاءة ومدارس ومستشفيات تعمل ومؤسسات تستعيد نشاطها ومدينة تمنحه الأمل في مستقبل أفضل

إن الخرطوم التي واجهت الحرب بكل قسوتها تستحق أن تنهض من جديد وأن تستعيد مكانتها عاصمةً للكرامة والصمود وأن تتحول آثار الدمار فيها إلى ذاكرة وطنية توثق ما جرى وتؤسس لوعي جديد بقيمة السلام والمحافظة على مؤسسات الدولة وممتلكات الشعب

ومن «حديثكم»، نبعث التحية والتقدير إلى والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، الذي عرفه كثيرون بلقب «بلدوزر الخرطوم»، وإلى كل العاملين في مؤسسات الولاية الذين واصلوا أداء واجبهم في ظروف استثنائية

فمن مواقع الوقود إلى مطاحن الغلال ومن المستشفيات إلى المدارس ومن المرافق الخدمية إلى مواقع العمل والإنتاج تبقى قيمة المسؤول في قدرته على متابعة احتياجات المواطنين والاستجابة لمطالبهم وتحويل الخطط والقرارات إلى نتائج ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية

ولعل المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من العمل والتنسيق وإلى أن يكون للإعلام دور فاعل في نقل الحقائق وتوثيق الإنجازات ورصد أوجه القصور وتسليط الضوء على احتياجات المواطنين حتى تكون الصورة كاملة ويصبح الإعلام شريكاً في البناء والإعمار لا مجرد ناقل للأحداث

إن توثيق هذه المرحلة ليس تكريماً للأشخاص وحدهم بل هو حفظ لحق الوطن في ذاكرته وحق الأجيال القادمة في معرفة ما جرى وكيف واجه السودانيون المحنة وكيف أسهمت تضحيات الشهداء وجهود العاملين والمواطنين في إبقاء الأمل حياً

فالخرطوم تستحق أن تنهض وشعبها يستحق حياة كريمة وتاريخها يستحق أن يُكتب بأمانة وبلدوزرها أحمد عثمأن حمزه يستحق ان يكرم

ولكم التقدير والاحترام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى