محمد الطيب عابدين يكتب….. دارفور هل تنفصل؟ .. لماذا ؟ .. كيف ؟ .. و من المستفيد .. ؟ ( ٥ / ٥ )
بعد تمهيد و إستعراض دام أربع حلقات، *نأتي للإجابة على السؤال الأول ( هل تنفصل دارفور ؟ .. و لماذا .. ؟ )*.
أولاً : نبدأ بحجج دعاة فصل دارفور حسبما أوردوها في ادبياتهم، و الجدير بالذكر أن منظمة *”البحر و النهر”* من اكثر الكيانات دعوة لفصل دارفور، ولكنها لم تكن الأولى تاريخياً، فهل تكون الآخيرة ؟ :
( ١ ) – *ظلت الذاكرة الجمعية لأهل دار صباح، تختزن ذكريات سوداء*، لبشاعات و مآسي إقترفتها جهادية المهدية، بتوجيهات من خليفة المهدي عبد الله التعايشي الدارفوري، خصوصاً في الجزيرة، ريف القضارف، و المتمة ( *كتلة المتمة*)، بيد أن محمد أحمد المهدي
” الدنقلاوي” لم يكن صالحاً ولا مصلحاً، إذ كَفٌر و قتل كل من رفض الإيمان بمهديته، فلم يترك العلماء، و لا الشيوخ، ولا الفقهاء الذين رفضوا الإعتراف به ( مهدياً ) ولا ( منتظراً ) .
( ٢ ) – جاءت قوات الدعم السريع
” الجنحويد ” لتعيد لأهل دارصباح ذات الذكريات السوداء التي تناقلتها مروياتهم الشفاهية و المكتوبة، أفعالاً لم تترك جرماً إلا إرتكبته، ولا ذنباً إلا و خاضته، و لا بشاعات لا إنسانية إلا و حفرتها في عقول أهل السودان، بالمطرقة و الإزميل .
( ٣ ) – يُحدث التاريخ أن حركة سوني ، باكراً جداً ١٩٦٤م أو ١٩٦٥م، قد تمثلت أهدافها في :
أ – إسترداد سلطنة الفور و *التحرر من الاستعمار الداخلي* .
ب – تطورت الحركة من المطالبة بحقوق الإقليم إلى *المناداة بإستقلاله* .
ج – دعت إلى *حمل السلاح* على غرار حركة أنانيا بجنوب السودان.
د – دعت حركة سوني اليسارية إلى حلف افريقي بين الفور و الزغاوة و المساليت، *لإخراج الجلابة – تجار الوسط النيلي- الرأسماليين من دارفور* .
ها – *طالبت سوني* ايضاً بضرورة إسترداد سلطنة دارفور التاريخية بأراضيها المعروفة، *و إنفصال غرب السودان و إنضمامه إلى سلطنات غرب أفريقيا و بناء دولة قائمة بذاتها* .
( ٤ ) – حينما إنفجرت أزمة دارفور عام ٢٠٠٣م، قاتلتا الجيش قتالاً شرساً حركتا العدل و المساواة ( خليل إبراهيم )، و حركة تحرير السودان ( مني أركو مناوي )؛ و كان في مخيلة الحركتين تحقيق مشروع *{ دولة الزغاوة الكبرى }* بعد إبادة العنصر العربي من دارفور، و تحييد العناصر الآخرى، وهو مشروع كامن في وجدان القبيلة، وله أدبياته، و وثائقه، و خرائطه، و مروياته القديمة من ميثولوجيا تاريخ القبيلة . و من خرطة العتيقة يتبين انه *مشروع إنفصالي،* يهدف إلى فصل دارفور و شرق تشاد و جزء من جنوب ليبيا ليكون دولة الزغاوة الكبرى؛ ولما هزمهم ( حميدتي ) في ( قوز دنقو )، انكروا مشروعهم الكبير و فروا إلى لبيبا، و صحاري دار الريح .
( ٥ ) – و يدور الزمان دورته، و ينقلب حميدتي على الدولة، لينشئ دولته الخاصة ( *دولة العطاوة أولاد جنيد*) بإمتداداتها في إقليم السودان القديم، *و لما يستعصي عليه الأمر ينكفئ في دارفور ليفصلها عن السودان، محققاً شيئاً خير من لا شيء، إذا إستطاع لذلك سبيلا .*
( ٦ ) – *من أسباب دعوة منظمة البحر و النهر لفصل دارفور :*
أ – فشل كل محاولات الإصلاح السابقة في التدامج .
ب – الثورات وإتفاقيات السلام الكثيرة لم تغيّر جوهر و طبيعة الحركات المسلحة .
ج – الحلول الجزئية أثبتت أنها مؤقتة وغير جذرية.
( ٧ ) *الحق في تقرير المصير :*
أ – يعتبر أن الشعوب المهمشة لها الحق في الانفصال.
ب – هذا الحق ليس جريمة بل ممارسة للحرية السياسية، و حق الإختيار .
( ٨ ) – *إعادة تشكيل الدولة على أسس عادلة :*
ا – مشروع “النهر والبحر” يهدف إلى بناء دولة جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل بين المكونات.
ب – الإعتراف بالهويات الإقليمية .
ج – يرى أن السودان القديم أنكر الهويات المحلية مثل الفور، الزغاوة، النوبة، إلخ.
د – الدولة الجديدة تعترف بهذه الهويات وتُدمجها في النظام.
( ٩ ) – *القطع مع الدولة الفاشلة :*
أ – لا يمكن إصلاح الدولة السودانية الحالية.
ب – “النهر والبحر” يُبنى من الصفر، خارج إرث الفشل.
( ١٠ ) – *مشروع وحدوي بديل :*
أ – رغم الانفصال، لا يدعو للتشرذم، بل يرى أن “النهر والبحر” يمكن أن يكون نموذجًا *للتكامل* الطوعي بين الشعوب.
( ١١ ) – *تحقيق السلام الدائم :*
أ – يعتقد ، النهر و البحر ، أن *الانفصال* سيُنهي حالة الحرب المستمرة.
ب – السلام لا يمكن تحقيقه في ظل دولة تهمّش نصف شعبها.
( ١٢ ) – *شعار مشروعه :*
> “*الوحدة بالقهر لا تستحق أن تستمر.. والانفصال طريق إلى الحرية والعدالة والسلام.*”
*إنتهت مقتطفات مشروع النهر و البحر ..*
( ١٣ ) – أضحت مقولات، *الهامش، المركز، التهميش، الجلابة، النخبة النيلية، الوسط، الشمال، و دولة ٥٦،* تشكل إبتزازاً سياسياً و جهوياً، بلغ درجة التهديد بالغزو و القتل و الإبادة لقبيلة ( الشايقية ) بكاملها و تحميلها كل أوزار حكام السودان، الأمر الذي باتت معه الوحدة و الإندماج أمراً بالغ الصعوبة و المشقة .
( ١٤ ) – أصبح ( إقليم دارفور ) مصدراً للقلق، و التوتر الدائم للدولة السودانية، و كابح لتقدمها و تطورها، حتى بلغ درجة الخطر على الأمن القومي الوجودي للدولة بكاملها في حرب الدعم السريع على المواطن السوداني .
( ١٥ ) – لا تريد الحركات المسلحة الدارفورية أن تتحول إلى أحزاب سياسية مدنية، و تماطل في دمج قواتها و تسليم سلاحها، حتى لا تفقد قوتها التي تساوم بها من أجل الحكم و السلطة و الثروة .
( ١٦ ) – نتيجة للتغذية العنصرية من الحركات المسلحة، و فشل الأحزاب السياسية و على رأسها المؤتمر الوطني الحزب المتحكم طوال ثلاثين عاماً، في إذابة و تفتيت و خلخلة التغذية العنصرية، بات المواطن الدارفوري يعيش في حالة *( مظلومية )* متوهمة و *( تهميش )* خيالي، حجبه من رؤية حقيقة الظلم و التهميش الذي عاش فيه و مازال اهل الخرطوم و الشمالية و الشرق .
( ١٧ ) – صرح بعض الشباب من ناشطي دارفور في الميديا ان أمنيتهم *( حرق الخرطوم و تدمير عماراتها )*، وقد كان ، بدلاً ان تكون امنيتهم *( بناء عمارات و مدن حديثة في دارفور )*.. و مقاطع الفيديو موجودة .
( ١٨ ) – ترك كثير من الدارفوريين العمل و الإنتاج و تفرغوا للسياسة، طمعاً في السلطة و الثروة و الجاه . *” حكم لي ساق ولا مال لي خناق “*.
( ١٩ ) – حولت الحركات المسلحة الدارفورية، و الدعم السريع شباب دارفور إلى *( بندقجية )*، يقاتلون من أجل طموحات ( *القادة* ) و شرههم و شبغهم بالحكم بالحق و بالباطل، مما خلق أجيال من الشباب في دارفور خارج مقاعد التعليم؛ بينما يكابد أهل الوسط و الشمال من أجل تعليم اولادهم، في مؤسسات تعليمية شيدوها بمالهم و جهدهم الخاص، وقد تأخذ عليها الحكومة ضرائب و مكوس .
( ٢٠ ) – تركت حرب الدعم السريع على المواطن السوداني، اثراً بالغاً في وسط و شمال و شرق السودان، خلق اخدوداً عظيماً بين دارفور و بقية اهل السودان، يحتاج لمئات السنين ليندمل و يبرأ جرحه النفسي؛ رغم ان دارفور نفسها نالت من الدعم السريع جعلاً عظمياً من القتل و الحرق و الإغتصاب .
● *تلك بعض أهم حجج و دوافع دعاة فصل دارفور عن السودان، وهي لا تعبر عن رأي الكاتب ولا حزبه ..*
*ثانياً : أسانيد و براهين دعاة وحدة السودان، و عدم فصل دارفور :*
( ١ ) – إذا كان *مشروع البحر و النهر، يعترف بالهويات و يدمجها في النظام، و يريد ان يبني الدولة من الصفر خارج إرث الفشل، و ينهي حالة تهميش الدولة لنصف شعبها، إذا كان يستطيع أن يفعل كل ذلك، يكون قد خاطب جذور المشكلة الدارفورية و اوجد لها حلاً؛ فلماذا إذن الإنفصال ..؟*، *ألا يكون طرحه متناقضاً مع نفسه، و مقدماته غير متسقة مع نتائجه التي توصل إليها بضرورة فصل دارفور .. ؟* .
( ٢ ) – أليس من الافضل معالجة المشاكل، بدلاً من الذهاب إلى مبضع الجراح لفصل عضو من الجسد السوداني، يعاني الآلم و السهر و الحمى .. ؟ .
( ٣ ) – فصل دارفور لن يهدئ مظالم النفوس، و لن يغسل الغبن الطويل، ولكن سيحوله لعداء مكبوت بين الدولتين، كما هو حادث *بعد فصل جنوب السودان،* فما ان وجد كثير من الجنوبيين فرصة للثأر من جلابة الشمال، إلا و حملوا السلاح مع الدعم السريع لقتل المواطنيين في بلادهم و بيوتهم، و تفريغ شحنات من حقد قديم دفين مكبوت .
( ٤ ) – ستتحول دارفور حال فصلها، إلى قاعدة و منصة لإسرائيل، و أمريكا، و الغرب، و الأمارات، تشكل تهديداً دائماً و قوياً للدولة السودانية .
( ٥ ) – ليس من الحكمة ان تقطع في كل مرة جزءاً من جسدك، كلما تآلمت منه، فيصير جسدك مبتور الاعضاء مشوه، لا يقوى على الحركة؛ ولكن الحكمة أن تعالج الجزء المريض و تصبر عليه، حتى يشفى و يتافى، و يقوي جسدك .
( ٦ ) – لا ينكر منصف أن دارفور عانت من خلل التنمية الشاملة، و المتوازنة ، كما الحال في بقاع السودان الآخرى ، و أن تنمية حقيقية قد بدأت تنتظم الإقليم في السنوات الماضية، قطعتها و دمرتها حرب الدعم السريع، كما دمرت حاضرة الوطن الخرطوم . هذا الدرس المؤلم القاسي يجعلنا نتمسك ببعضنا لنقوي عود الوطن في حزمة واحدة .
( ٧ ) – إذا ما إنِفصلت او فُصلت دارفور، فإنها لن تذهب إلى مالطا لتؤذن فيها، ولكن ستبقى في خاصرة السودان، يتأثر بحروبها و مشاكلها و يكتوي بنيرانها، كما هو الحال مع تشاد، أفريقيا الوسطى، جنوبةالسودان، اريتريا، و إثيوبيا؛ لذلك تظل فكرة ( *الفصل* ) فكرة خائبة و غير مجدية .
( ٨ ) – تظل تجربة جنوب أفريقيا، و رواندا، في التعايش السلمي و بناء دولة قوية حديثة من ركام الحروب، تجربة جديرة بالإحترام و التقدير و الإهتداء بها لخلق سودان متجدد متطور موحد في لحمة واحدة .
ثالثاً : *كيف تنفصل دارفور .. ؟*
*حتماً، دون شك، و بلا شك، ان دارفور ستنفصل إذا إستمر الدعم السريع في سياساته الخرقاء،* لتكوين حكومة في الإقليم، يضغط بها على الحكومة السودانية، و المجتمع الدولي، للإعتراف بدولته العشائرية، أو الحصول على حكم ذاتي إقليمي واسع السلطات، يؤدي إلى حق تقرير مصير، ينتهي بفصل دارفور، مستنداً في ذلك على دعم الإمارات، تحت مظلة إسرائيل، و حماية واشنطن .
رابعاً :*من المستفيد من فَصِل او إنِفصال دارفور .. ؟*
*لن يستفيد السودان قطعاً، لانها ستتحول لدولة معادية، و لن يسفيد أهل دارفور، لانها لا تمتلك مقومات دولة، إذ مازال الفصل الأول ( المرتبات ) يأتي من وزارة المالية القومية، بالإضافة إلى دعم التنمية و عدم تماسك النسيج الاجتماعي ( عرب – زرقة ) . سيكون المستفيد الاول و الوحيد هو الدعم السريع دون غالبية شعب الإقليم، و تنداح المنافع على دولة الإمارات التي ستدير الإقليم من وراء حجاب، و بشكل مباشر عبر إستثمارات ظاهرها فيه الرحمة، و باطنها من قِبلة العذاب . ستنال إسرائيل فوائد عظمى بتحقيق مشروع (برنارد لويس* ) لتقسيم الدول الإسلامية و العربية لمصلحة الكيان الصهيوني . اما أمريكا و اوروبا النافذة ستنال من الحب جانب؛ كيف لا و فرنسا تمتلك أكبر مركز أوروبي للصمغ العربي، وليس فيها شجرة هشاب واحدة . أما مصر فستكون خاسراً كبيراً في هذه الصفقة الدولية إذا ما فرطت في وحدة السودان، والسماح بخلق جسم غريب على حدودها الجنوبية .
*” إنتهى “*
مع تحياتي و تقديري لكم جميعاً ،،،
محمد الطيب عابدين
المحامي
الخميس ٣١ يوليو ٢٠٢٥م



