مقالات الظهيرة

محمد أحمد البشرى يكتب… السودان والعقد الاجتماعي: وطن واحد وحقوق متساوية

سلسلة: نحو بناء العقد الاجتماعي السوداني

تحت شعار: «وطن واحد وحقوق متساوية»

المقال السابع: السودان والعقد الاجتماعي: وطن واحد وحقوق متساوية

حين نقف اليوم أمام ما يمر به السودان، لا يمكننا تجاوز الحقيقة المرة: إن تجارب الحكم في بلادنا ظلت تدور في حلقة مفرغة، وكان من أبرز أسباب ذلك الإقصاء ورفض الاعتراف بالآخر. هذا النهج عقّد المشهد، وحوّل التنوع الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة إلى عامل من عوامل الصراع والاستقطاب، واستنزف موارد البلاد وطاقات أبنائها.

لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: كيف نخرج من هذا النفق؟

السودان ليس مجرد مساحة جغرافية تتجاوز المليون وثمانمائة ألف كيلومتر مربع، ولا مجرد عدد يتجاوز 52 مليون نسمة، بل هو وطن غني بتنوعه الإثني والثقافي والاجتماعي والجغرافي. وهذا التعدد ليس أزمة في حد ذاته، بل يمكن أن يكون مصدر قوة حقيقية إذا أُدير في إطار دولة وطنية عادلة، وتحت مظلة وطن واحد يجمع جميع مكوناته دون مفاضلة أو تمييز.

ولنا في تجارب بعض الدول الإفريقية دروس يمكن الاستفادة منها. ومن بينها رواندا، التي استطاعت بعد واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في تاريخها الحديث أن تبني مسارًا جديدًا للدولة والمجتمع، مستفيدة من ترسيخ مفهوم المواطنة، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام. والمغزى الذي يمكن أن نستفيده للسودان هو أن تجاوز آثار الصراع يتطلب إرادة وطنية ومؤسسات قادرة على حماية جميع المواطنين، وإطارًا جامعًا يمنع إعادة إنتاج أسباب الانقسام.

ومن هنا، فإن العقد الاجتماعي الذي يحتاجه السودان ينبغي أن يقوم على أسس واضحة:

أولًا: إنهاء الإقصاء وترسيخ المواطنة

المواطنة هي الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه الحقوق والواجبات. فلا ينبغي أن تكون القبيلة أو الجهة أو الحزب أو الخلفية الاجتماعية معيارًا للحصول على الحقوق أو فرص المشاركة في الدولة. فالسودانيون جميعًا متساوون أمام القانون، والوطن ملك للجميع.

ثانيًا: إدارة التنوع بالقانون

التنوع الثقافي والاجتماعي والجغرافي ثروة وطنية ينبغي المحافظة عليها، لا تحويلها إلى أدوات للصراع. ومن مسؤولية الدولة حماية هذا التنوع، وضمان احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية في إطار الدستور والقانون، بما يعزز الانتماء الوطني المشترك.

ثالثًا: عدالة توزيع السلطة والثروة والتنمية

لا يمكن بناء عقد اجتماعي مستدام دون معالجة قضايا التهميش وعدم التوازن في التنمية. وينبغي أن تخضع إدارة الموارد والفرص العامة لمعايير العدالة والشفافية والكفاءة، وأن تصل التنمية إلى جميع أقاليم السودان، حتى يشعر كل مواطن بأن له نصيبًا عادلًا في وطنه.

رابعًا: سيادة القانون وبناء مؤسسات الدولة

العقد الاجتماعي لا يمكن أن يقوم على الأشخاص وحدهم، وإنما على مؤسسات قوية ومستقرة تخضع للقانون. فالدولة التي تحمي حقوق مواطنيها وتطبق القانون بعدالة هي الأساس الحقيقي للاستقرار، وهي الضمانة لمنع عودة الإقصاء والاستبداد والصراع.

خامسًا: الاعتراف المتبادل والمشاركة الوطنية

لا يمكن بناء السودان الجديد بمنطق المنتصر والمهزوم، أو بمنطق من يملك الدولة ومن يُقصى منها. المطلوب هو الاعتراف بأن لكل سوداني حقًا في وطنه، وحقًا في المشاركة في صياغة مستقبله، مع الالتزام بالقانون والمصلحة الوطنية.

إن الوطن الواحد يفترض حقوقًا متساوية وواجبات مشتركة. ولا يمكن أن تتحقق الوحدة الوطنية بمجرد رفع الشعارات، وإنما من خلال ممارسة يومية يشعر فيها المواطن بأن دولته تحميه، وتصون كرامته، وتساوي بينه وبين غيره في الحقوق والواجبات.

ومن هنا فإن العقد الاجتماعي السوداني ليس مجرد نصوص تُكتب على الورق، ولا اتفاقًا سياسيًا مؤقتًا بين النخب، وإنما هو ميثاق وطني وأخلاقي يعيد تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السودانيين بعضهم بعضًا، على أساس المواطنة والعدل والحرية وسيادة القانون والاحترام المتبادل.

إن السودان الذي نريده هو سودان يتسع للجميع، لا يُقصي فيه مواطن بسبب أصله أو قبيلته أو منطقته أو فكره، وتكون فيه الدولة فوق الانتماءات الضيقة، ويكون القانون هو المرجعية، وتكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.

وهكذا يصبح شعار «وطن واحد وحقوق متساوية» ليس مجرد عنوان لسلسلة مقالات، وإنما مبدأً أساسيًا في مشروع بناء العقد الاجتماعي السوداني؛ عقدٍ يضع السودان فوق الجميع، ويجعل وحدة الوطن وتماسك مجتمعه أساسًا للسلام والاستقرار والتنمية، ويفتح الطريق أمام مستقبل يستحقه جميع السودانيين.

الأستاذ/ محمد أحمد البشرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى