(نقطةُ ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… عندما يكونُ الطريقُ طويلاً.. اخترِ الحذاءَ المناسبَ لا الجميلَ

هناكَ حكمةٌ قديمةٌ تقولُ: عندما يكونُ الطريقُ طويلاً، اخترِ الحذاءَ المناسبَ وليسَ الجميلَ.
ومثلٌ آخرُ يقولُ: لا أحدَ غيري يعرفُ أنَّ حذائي يؤلمني.
كلمتانِ تختصرانِ فلسفةَ الحياةِ كلِها.
نحنُ في هذهِ الدنيا لسنا في نزهةٍ قصيرةٍ في حديقةٍ، نحنُ في طريقٍ طويلٍ، طويلٍ جداً، مليءٍ بالحجارةِ والمنعطفاتِ والمطباتِ. وكثيرونَ منا يخطئونَ الاختيارَ في البدايةِ، فيختارونَ الحذاءَ الجميلَ اللامعَ الذي يبهرُ الناظرينَ، يختارونَ المظهرَ على الجوهرِ، والبريقَ على الراحةِ، ثم يكتشفونَ بعدَ أولِ كيلومترٍ أنَّ أقدامَهم تنزفُ، وأنَّ كلَ خطوةٍ أصبحتْ عذاباً، وأنَّ لا أحدَ يشعرُ بألمِهم إلا هم.
وهكذا همُ الناسُ. وهذا ما نبهنا إليهِ القرآنُ والسنةُ قبلَ أنْ تنبهنا إليهِ الأمثالُ.
فاللهُ تعالى لم يتركْ مسألةَ اختيارِ الرفيقِ عبثاً، بل قالَ جلَّ شأنهُ:
(“وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”) [الكهف: 28]
اللهُ يأمرُكَ أنْ تختارَ المناسبَ لدينِكَ وقلبِكَ، لا الجميلَ في زينةِ الدنيا. لا تعدُ عيناكَ عن الصالحينَ الطيبينَ إلى من يبهرونكَ بزخرفِهم.
وقالَ تعالى: (“الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ”) [الزخرف: 67]
فالحذاءُ الجميلُ غيرُ المناسبِ سيكونُ عدوكَ يومَ القيامةِ، والصديقُ غيرُ الصالحِ سيكونُ عدواً، إلا المتقونَ، فهم الأحذيةُ المناسبةُ التي تريحُكَ في الدنيا وتشفعُ لكَ في الآخرةِ.
وقالَ تعالى: (“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”) [التوبة: 119] .. كونوا مع الصادقينَ، لا مع المزيفينَ، مع الصافينَ السالكينَ، لا مع المتلونينَ.
أما السنةُ النبويةُ فقدْ وضعتْ دستورَ الاختيارِ كلهُ في حديثٍ واحدٍ:
قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: (“المرءُ على دينِ خليلِهِ، فلينظرْ أحدُكم منْ يخاللُ”) [رواه أبو داود والترمذي].
أنتَ على مقاسِ حذائِكَ، وعلى دينِ خليلِكَ. فانظرْ منْ تختارُ.
وقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: (“الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تناكرَ منها اختلفَ”) [رواه البخاري ومسلم].
وهذا هو سرُ الشبهِ. الأرواحُ الطيبةُ تعرفُ بعضَها، والقلوبُ النقيةُ تأتلفُ بلا تفسيرٍ ولا تبريرٍ، لأنها من جنسٍ واحدٍ. فابحثْ عن جندِكَ، عن روحِكَ التي تشبهُكَ في طيبةِ قلبِكَ وعلمِكَ وثقافتِكَ.
وقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في وصفِ الجليسِ: “(مثلُ الجليسِ الصالحِ والجليسِ السوءِ، كحاملِ المسكِ ونافخِ الكيرِ”) [متفق عليه].
حاملُ المسكِ هو الحذاءُ المناسبُ، إنْ لم يعطِكَ مسكاً، أعطاكَ ريحاً طيبةً، ونافخُ الكيرِ هو الحذاءُ الجميلُ المؤذي، إما أنْ يحرقَ ثيابَكَ، وإما أنْ تجدَ منهُ ريحاً خبيثةً.
عندما تقررُ أنْ تختارَ أناساً يشاركونكَ تفاصيلَ حياتِكَ، فلا تبحثْ عن الأجملِ شكلاً، ولا عن الأكثرِ مالاً، بل ابحثْ عن المناسبِ لروحِكَ. عن الناسِ الصافيةِ السالكةِ، التي بيئتُها كبيئتِكَ، التي تفهمُكَ من غيرِ أنْ تفسرَ، وتسمعُكَ بصدرٍ رحبٍ.
الحذاءُ غيرُ المناسبِ يوجعُ قدميكَ فقط، أما الإنسانُ غيرُ المناسبِ فيوجعُ قلبَكَ وروحَكَ وعمرَكَ كلهُ، ويصدقُ فيهِ قولُ اللهِ: (“وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ”) [الكهف: 28].
فأحسنوا اختيارَ أحذيتِكم، وأحسنوا أكثرَ في اختيارِ من يرافقونَكم الطريقَ، فالطريقُ طويلٌ، والعمرُ أقصرُ من أنْ نقضيَهُ في ألمٍ لا يعلمُهُ إلا نحنُ، واللهُ يعلمُهُ.



