مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… حليب الدم!!

ما لك لا تركب تيس الخلا، فتقدّ الصحراء قدًّا، وتعبر المفازات تسابق الريح، وتخوض وعثاء الدروب الموشّاة بشوك الكتر والكدّاد، فتفوت الناس وتسبقهم، وتظفر بالكأس—كأس الحكم يا حميدتي—فتملك السودان، وتدين لك القبائل والأحزاب والجهات، ويُرفع ذكرك في المحافل؟

هكذا كانت تُوسوس النفس، وتُغري صاحبها بسراب المجد السريع، وتنفخ في صدره أوهام القدرة، حتى خُيّل إليه أن الأمر ركوبٌ على ظهرٍ مذلّل، لا اقتحامُ حصنٍ عصيّ. ولم يدرِ أن “تيس الخلا” الذي تخيّله مطيّةً وادعة، إنما هو رمزٌ لجيشٍ باسلٍ، صلب العريكة، لم يُطأ ظهره قهرًا قط، ولن يُطأ بإذن الله.
وما إن أخذت شمس الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م في الشروق، حتى انبثق فجرٌ آخر—فجرٌ أحمر، سال فيه حليب الدم لا لبن الحياة. عندها اصطدم الوهم بالحقيقة، وارتدّ الخيال على صاحبه حسرةً ووبالًا. لم يكن الاقتراب من القيادة العامة نزهةً عابرة، بل كان اقتحامًا لجدارٍ من إرادة الرجال، وسياجٍ من عزائم لا تُثلم.
تكسّرت موجات الهجوم على صخور الثبات، وتهاوت محاولات النيل من مؤسسات الدولة تحت وطأة الصمود. وحين أعياه بلوغ الغاية، انقلب على الوطن ذاته؛ فصبّ جام غضبه على المواطن، واستباح البنية التحتية، كأنما ينتقم من الأرض لأنها لم تُطعه، ومن الناس لأنهم لم ينقادوا له.
فما ترك قلبًا إلا وأثقله حزنًا، ولا عينًا إلا وأجراها دمعًا، ولا دارًا إلا مسّها خوفٌ أو خراب، ولا مالًا إلا امتدّت إليه يد العبث. كان ذلك انحدارًا من وهم السلطة إلى درك الفوضى، ومن ادعاء السيطرة إلى ممارسة الانتقام.
غير أن سنن الله لا تحابي أحدًا؛ فقد تصدّت له القوات المسلحة، ومن معها من قوى الإسناد، فكانت كالشهب الراجمة، تردّ البغي وتكسر حدّته، حتى انكفأ خاسئًا وهو حسير. ولو قُدّر له—جدلًا—أن يطأ ظهر هذا الجيش، لكانت سابقةً سوداء في تاريخ البلاد، ولذاق الناس من جرّائها ألوانًا من المهانة والضيم، ولكنها مشيئة الله التي حالت دون ذلك.
واليوم، وبعد ثلاث سنوات، لا يزال يمعن في استنزاف المستحيل، كمن يحاول مناطحة الصخر ، في إصرارٍ يشي بعمى البصيرة قبل البصر ، ينقض غزل الدولة خيطًا خيطًا، لا لشيء إلا استجابةً لوهمٍ داخلي، وتحريضٍ خارجي، لا يرى في السودان وطنًا، بل ساحةً لتصفية الحسابات ومسرحًا للأطماع.
ثلاث سنوات، وهو قائمٌ على ركامٍ من الألم، يترقب سراب العودة، وينتظر أن تعيده جموع المخدوعين أو المرتزقة إلى ما كان عليه قبل مغامرته الكبرى. ولكن—وأنّى له ذلك—وقد انكشفت الحقيقة، واستبان للشعب وجهها الصريح؟

لقد سُحقت أعمدة قوته، وتبددت أوصاله، ولم يبقَ له إلا التواري في البعد، أو التسليم لحتمية النهاية. فلا مجال لعودةٍ تُرتجى، ولا حيلة تُجدي، فقد انقضى الأمر، واستقرّ الميزان.
وعند الله تجتمع الخصوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى