كلما طال بقاء الوزير في المنصب….ازدادت فرص الفساد!!
تؤكد التجارب الإدارية في الدول كافة أن السلطة إذا طال أمدها فسدت، وأن الكرسي إذا استوطنه صاحبه تحول من تكليف عام إلى ملكية خاصة. فكلما طال بقاء الوزير على رأس الوزارة، اتسعت دائرة الفساد، وتجذرت شبكات المصالح، وتراجعت مساحة المحاسبة والشفافية.
في البداية يكون المسؤول حريصاً على الأداء ويخشى الخطأ، ولكن مع مرور السنوات يلتف حوله فريق من المقربين وأصحاب المصالح، فيصبح أسيراً لعلاقات بنيت على المجاملة لا على الكفاءة. عندها يصبح أي قرار إصلاحي مهدداً لهذه الشبكة، فيختار الصمت أو المساومة. كما أن طول البقاء يولد شعوراً زائفاً بالأمان، فيبدأ تجاوز اللوائح واختصار الإجراءات بحجة الخبرة وسرعة الإنجاز، وحينها تظهر أولى علامات الترهل الإداري والمالي.
الأخطر من ذلك أن طول العهد يقتل التجديد. تغلق الأبواب أمام الأفكار الجديدة، ويتحول النقد إلى تهمة، ويصبح الموظف الطموح مصدر إزعاج. فتتجمد الخطط وتتقادم السياسات بينما العالم من حولنا يتغير بسرعة، وتبقى الوزارة تدور في فلك شخص واحد.
لهذا فإن التغيير ليس ترفاً سياسياً ولا مزاجاً شخصياً، بل هو واجب وطني وإداري وأخلاقي. التغيير هو الصيانة الدورية للدولة. هو حقن دماء جديدة في جسد المؤسسة، تأتي بلا ديون سياسية ولا التزامات سابقة، وبعين قادرة على رؤية ما اعتاد عليه السابقون. القادم الجديد يسأل: لماذا نفعل هذا منذ عشر سنوات؟ وهذا السؤال وحده كافٍ لكشف نصف مواطن الخلل.
وإذا تطرقنا إلى نمط الدول الغربية في التغيير الوزاري نجد أنها جعلت من التداول قاعدة راسخة. فالدول المتقدمة لا تربط نجاحها بشخص بعينه، بل بنظام مؤسسي يضمن تجديد الدماء كل فترة. في بريطانيا وأمريكا وألمانيا يتغير الوزراء مع كل دورة انتخابية، وحتى داخل الدورة الواحدة تحدث تعديلات وزارية لضخ أفكار جديدة وكسر جمود الأداء. هذا النمط لم يضعف هذه الدول، بل كان أحد أسباب قوتها، لأنه منع استيطان الفساد، وحافظ على حيوية الأجهزة الحكومية، وأكد أن الوطن أكبر من أي مسؤول.
التغيير أيضاً يكسر احتكار المعلومة والملفات. فالوزير الذي يمكث طويلاً يصبح هو المؤسسة، فإذا ذهب ذهبت معه الخبرة والأسرار. أما بالتداول فإن الباقي هو النظام والقانون لا الأشخاص. كما أن فتح الباب أمام الكفاءات الجديدة يمنح الشباب أملاً في أن الاجتهاد له طريق، وأن المناصب العامة ليست حكراً على أحد.
أما الحجة التي تتذرع بالاستقرار فهي حجة واهية. فالاستقرار الحقيقي هو استقرار المؤسسات والقوانين، لا استقرار الأشخاص. الدول التي تقدمت لم تتقدم بوزير جلس عشرين عاماً، بل تقدمت بأنظمة تضمن التداول السلمي للمسؤولية وتحميها من الاستيطان.
إن المناصب العامة أمانة مؤقتة، وليست ورثة ولا مكافأة نهاية خدمة. ومن تعلق بها كأنها ملكه فقد خان الأمانة. فبقدر ما يطول الوزير في المنصة، بقدر ما تتسع مساحة الفساد وتضيق مساحة الوطن.
لذلك نقولها بوضوح: التغيير واجب. واجب لإفساح المجال لدماء جديدة،
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



