الأخبار الاقتصادية

(فريجابيات)عبد الحليم محمد الفريجابي يكتب… اتحاد المهن الزراعية بمشروع الجزيرة.. هل من قرار شجاع لإنقاذ المشروع؟

في مقال سابق أشرنا إلى ضرورة الاستعانة بالعقل الأجنبي المنضبط لإدارة المشاريع الكبرى التي عجزنا عن إحداث أي تغيير إيجابي فيها، وأخفقت الإدارة الوطنية في انتشالها إلى بر الأمان. وأشرنا بوضوح إلى مشروع الجزيرة وما وصل إليه من تردٍ وخسائر فادحة خلفها العطش هذا الموسم في عدد كبير من التفاتيش. فالزراعة دون ضمان لمياه الري تبقى مجرد مجازفة ومغامرة لا أكثر.

 

هناك محاولات من السيد المحافظ لإصلاح ما يمكن إصلاحه، لكنها لم تكن بالقدر الكافي لعدم توفر الميزانية. ونقول بكل وضوح إن إصلاح حال المشروع أكبر من طاقة المحافظ وحده وأكبر من طاقة الاتحاد الجديد الذي تم انتخابه قبل فترة.

 

لقد عاش مشروع الجزيرة قرابة عشر سنوات دون اتحاد يمثله، ثم جاءت الحرب لتقضي على الأخضر واليابس، لذلك يواجه الاتحاد الجديد اليوم ظروفاً بالغة التعقيد. وأي محاولة للإصلاح بنفس الوتيرة القديمة وبأيادٍ محلية خالصة سيكون مصيرها الفشل لا محالة.

 

ولنتحدث بصراحة، لدينا تجربتان شاهدتان على الفشل الذريع في المشروع. الأولى كانت بدعة سفلتة الطرق الزراعية التي ابتدعتها الإدارة السابقة، فصُرفت فيها الأموال الطائلة وتُعوقد مع الشركات، وكانت المحصلة صفراً كبيراً. والثانية كانت تأهيل قنوات الري عبر 46 شركة بزخم إعلامي كبير وحضور أنيق من المركز والولاية، وللأسف كانت النتيجة أيضاً صفراً بارداً.

 

اعتصر قلب المزارع المسكين ألماً ونزف دماً وهو يشاهد محصوله وقد أنهكه العطش وضاعت أحلامه وأمانيه أدراج الرياح. تجربتان من بنات أفكارنا نحن أهل البلد، لم نقدم فيهما شيئاً بل تحسرنا على كل جنيه صُرف فيهما. والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، لكننا لُدغنا مراراً وتكراراً دون أن نتعظ.

 

من هنا تأتي قناعتنا الراسخة بأن النجاح الحقيقي لن يتحقق إلا بإدخال العقل الأجنبي المنضبط. وهي الفكرة التي وجدت ترحيباً واسعاً من أصحاب الوجع الحقيقي وملاك الأرض والمزارعين في مقالنا السابق. فقد شبعنا من التجارب السابقة التي باءت جميعها بالفشل، والوضع بالمشروع في تدنٍ مستمر.

 

إن أي إصلاح داخلي، مهما خلصت نواياه، سيظل مجرد مسكنات مؤقتة وترقيعاً محدوداً، فمساحة المشروع مهولة وأي معالجات جزئية لن تفيد المزارع شيئاً، لأن العلة ليست في الأشخاص بل في نظام الإدارة نفسه. سنصلح اليوم ولا نحافظ على النجاح ونرجع للمربع الأول وسنبقى ندور في ذات الحلقة المفرغة، هذا إن كان هناك إصلاح يذكر.

 

لذلك نأمل أن تتحلى إدارة المشروع واتحاد المهن الزراعية والدولة بالشجاعة الكافية لتبني هذه الخطوة الجريئة بإدخال الشركات الأجنبية والعقل الأجنبي. ربما تواجه هذه الفكرة اعتراضات وشد وجذب، لكن يجب التسويق لها ولنتائجها التي ستجعل المشروع كأنه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

 

إن الإنجليز بحكم أنهم أصحاب المشروع وصانعوه هم الأجدر والأدرى بانتشاله من قاع البئر. ومهما كلفت هذه الخطوة من مصادمات واعتراضات، يبقى القرار قرار المزارع صاحب الأرض ومالكها، وهو من وطأ الجمرة أكثر من غيره وكل أشواقه أن يعود المشروع لعهده السابق. الشركات الإنجليزية موجودة، ويبقى الاتفاق على صيغة إصلاح تقودها هذه الشركات من الألف إلى الياء بالتنسيق مع الدولة وإدارة المشروع. وحتماً ستكون النتائج خيراً وبركة على السودان كله وليس على مزارع الجزيرة وحده.

 

عندها يعود السودان لأسواق القطن العالمية، وينصلح حال المشروع وتُعمر أقسامه وتنضبط إداراته المختلفة، ونرى عربة المفتش تجوب الغيط نمرة نمرة، وشوارع خالية من الدهاسير وشجر المسكيت واللعوت.

 

تخيلوا عودة 1300 كيلومتر من قضبان السكة حديد وعودة القطارات للغيط وترحيل الإنتاج وانتعاش المحالج وتوفير فرص العمل لأبناء البلد وتوفير كل مدخلات الزراعة بالتقانة الحديثة، إضافة إلى تدريب وتأهيل الكادر السوداني العامل بالمشروع.

 

فالإنجليز كل شيء عندهم موثق ومحفوظ، حتى مذكرات أسلافهم عن فترة عملهم بالمشروع موجودة، وخرائط المشروع وقنوات الري والتفاتيش والمصارف والبرقان كلها محفوظة بدار الوثائق البريطانية. كل ما نحتاجه هو القرار الشجاع والتحرك الفوري لإبرام هذا الاتفاق بالنسب التي ذكرناها في المقال السابق أو أي نسب يراها صانعو القرار، مع الحفاظ التام على السيادة الوطنية والأمن القومي. غير ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة ونحن نرى المشروع في انهيار متسارع.

 

يا أخي كثير من المساحات أصبحت خارج الخدمة بسبب التعرية وأشجار المسكيت وترع اندفنت بالرمال وظواهر سالبة لم تكن من قبل. الشركات الإنجليزية ستعيد للمشروع ألقه وشبابه كما فعل أسلافهم إن شاء الله.

 

نرجو من اتحاد المهن الزراعية تبني هذه المبادرة مع تقديم الحوافز المجزية للجانب البريطاني من عائد الأرض، فالعالم كله اليوم يتجه نحو المصالح خاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي وسنجد الإنجليز أكثر استعداداً لهذه الفكرة. وسوف يسجل التاريخ لاتحاد المهن الزراعية هذه الخطوة الشجاعة لتخلد في مجلدات التاريخ وتكتب بها ميلاداً جديداً لمشروع الجزيرة ليكون وعداً وقمحاً وتمني إن شاء الله..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى