سوشال ميديا

غاندي إبراهيم يكتب… داخليات الصندوق القومي لرعاية الطلاب بولاية الجزيرة…. من ركام الحرب إلى نهضة الإعمار واستعادة الأمل

⭕ لم يكن ما تعرضت له داخليات الصندوق القومي لرعاية الطلاب بولاية الجزيرة مجرد أضرار عابرة، بل كان استهدافًا ممنهجًا طال البنية التحتية والخدمات الأساسية وكل ما يرتبط بحياة الطالب واستقراره الأكاديمي والنفسي، فقد تحولت كثير من الداخليات بمدينة ود مدني إلى مشاهد مؤلمة من الخراب والدمار، بعد أن عبثت بها المليشيا تخريبًا وحرقًا ونهبًا، فلم تسلم الغرف ولا المرافق الخدمية ولا حتى الأشجار المثمرة من ذلك الدمار الكبير.

⭕ ورغم قسوة المشهد، إلا أن الإرادة كانت أقوى من الخراب، والعزيمة أكبر من حجم التحديات، فالصندوق القومي لرعاية الطلاب ظل منذ تأسيسه مؤسسة وطنية خدمية تضطلع برسالة عظيمة في رعاية طلاب التعليم العالي، عبر توفير السكن والإعاشة والخدمات الصحية والاجتماعية والنفسية، إلى جانب دعمه المتواصل لذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم البيئة المناسبة للتحصيل الأكاديمي والاستقرار النفسي.

⭕ وبعد تحرير مدينة ود مدني في الثاني عشر من يناير 2025، بدأت مرحلة جديدة عنوانها “إعادة الحياة”، حيث تحركت الأمانة العامة للصندوق القومي لرعاية الطلاب لتشكيل لجنة عليا لإعمار ما دمرته الحرب على مستوى السودان، وتفرعت عنها لجنة إعمار بولاية الجزيرة بقيادة أمين الولاية الأستاذ ميرغني علي عبدالرحمن الطاهر، فيما تولى الأستاذ أبو القاسم عبدالرحمن الحاج قيادة العمل الميداني بمجمعي الجزيرة وحنتوب.

⭕ ومنذ العاشر من فبراير 2025 انطلقت رحلة الإعمار الحقيقية، عبر طواف ميداني واسع لحصر الأضرار وتحديد أولويات التدخل، لتبدأ بعدها مرحلة إزالة الأنقاض ومخلفات الحرب وتنظيف الداخليات وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

⭕ وكانت البداية من داخلية الحميراء، التي جرى تجهيزها لاستقبال قافلة الإعمار الأولى القادمة من الأمانة العامة للصندوق في الثامن عشر من فبراير 2025، برعاية البروفيسور أحمد حمزة الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب، تحت شعار يحمل معاني التضحية والبناء: “يد تحمل السلاح في تقديس… ويد تضغط الزناد في عنفوان… والطلاب مشاعل البناء والتعمير”.

⭕ وضمت القافلة مواد سباكة وكهرباء وأدوات زراعية ومعينات خدمية أخرى، لتبدأ بعدها مرحلة العمل الميداني المكثف بمشاركة جميع العاملين بالأمانة من موظفين وعمال ومديري المجمعات، في لوحة جسدت روح المسؤولية والانتماء.

⭕ ثم امتدت أعمال الإعمار إلى داخليات النشيشيبة التابعة لمجمع حنتوب، وعلى رأسها داخلية زيدان، حيث أُنجزت عمليات النظافة الكاملة، وإزالة الحشائش، وصيانة خطوط المياه والكهرباء، وتشغيل البيارات، والاستعانة بالطاقة الشمسية في الإضاءة بسبب الانقطاع الكامل للكهرباء عن الولاية.

⭕ وفي الأول من مايو 2025، استقبلت الداخلية أولى دفعات الطلاب الجالسين للامتحانات، إلى جانب طلاب جامعات أخرى مثل جامعة المعيلق والسودان العالمية وأفريقيا العالمية، في خطوة أكدت عودة الحياة تدريجيًا إلى الداخليات، رغم الظروف الاستثنائية.

⭕ وتواصلت حملات الإعمار لتشمل داخليات فداسي والزهراء والشيماء والحميراء ومدينة الشهداء، حيث تمت معالجة مشكلات الصرف الصحي، وإنشاء أغطية للمنهولات، وبناء الأسوار، وتوفير احتياجات السباكة والكهرباء، بجانب تنفيذ أعمال النظافة والتأهيل العام.

⭕ أما الوثبة الثانية للإعمار فقد ركزت على معالجة المحولات الرئيسية، وتوصيل الكهرباء المباشر، وتوفير المراوح والأسرة المفقودة، وتنفيذ برامج الطلاء والتشجير، لتعويض ما أتلفته الحرب من أشجار وزينة ومساحات خضراء.

⭕ ولم يكن هذا الجهد معزولًا عن دعم الولايات الأخرى، إذ سيرت الولاية الشمالية قافلة إعمار ثانية دعمت بها مشاريع التأهيل والتكملة، وسط حضور رسمي وشعبي كبير تقدمه والي ولاية الجزيرة وعدد من أمناء الولايات.

⭕ واليوم، وبعد عام كامل من انطلاق أولى قوافل الإعمار، يمكن القول إن الصندوق القومي لرعاية الطلاب بولاية الجزيرة نجح بصورة لافتة في تحويل واقع الداخليات من بيئة مدمرة إلى بيئة قابلة للحياة والاستقرار الأكاديمي، بل وأصبح نموذجًا متقدمًا مقارنة بكثير من المؤسسات التي لا تزال تعاني آثار الحرب.

⭕ لقد استطاعت إدارة الصندوق، بإمكانات محدودة ولكن بإرادة كبيرة، أن تجعل المستحيل ممكنًا، وأن تعيد الثقة والأمل لآلاف الطلاب الذين وجدوا في هذه الداخليات ملاذًا آمنًا لمواصلة مسيرتهم التعليمية.

⭕ واختُتمت مراحل الإعمار بمدينة الشهيد محمد إسماعيل حسن حسين بالإعدادية، وهي آخر المدن التي دخلت برنامج التأهيل، حيث شهدت أعمال نظافة وصيانة وردميات وتشجير وطلاءات أعادت إليها رونقها وجمالها.

⭕ إن ما تحقق بداخلات الصندوق القومي لرعاية الطلاب بولاية الجزيرة ليس مجرد إعادة تأهيل لمبانٍ سكنية، بل هو انتصار حقيقي لإرادة البناء في وجه الحرب، ورسالة واضحة بأن السودان قادر على النهوض من تحت الركام، متى ما توفرت الإرادة الصادقة والعمل الجماعي والتفاني في خدمة الوطن والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى