مقالات الظهيرة

(على بلاطة) عبير دفع الله عزالدين تكتب: حين تتكلم البصمة

في مسرح الجريمة قد تمر العين على تفاصيل كثيرة دون ان تنتبه اليها، وقد يبدو المكان صامتا لا يقول شيئا، لكن هناك دائما ما يتركه الفاعل خلفه دون ان يشعر.

 

بصمة على سطح، اثر قدم، شعرة، قطرة دم، او حتى ذرات دقيقة لا تكاد ترى بالعين المجردة.. تفاصيل صامتة، لكنها حين تقع في يد رجل الادلة الجنائية تعرف كيف تتكلم.

 

هنا تظهر عظمة الادلة الجنائية، فهي ليست مجرد اثار تجمع من مسرح الجريمة، بل علم دقيق يحول التفاصيل الصغيرة الى خيوط تقود نحو الحقيقة.

وبينما يبحث البعض عن الحقيقة في الاعترافات والاقوال، يبحث رجل الادلة الجنائية عنها في المكان نفسه، في كل اثر تركته الجريمة وكل علامة يمكن ان تقود الى اجابة.

البصمة على وجه الخصوص تحمل خصوصية لا تشبه غيرها، فهي قد تكون اثرا عابرا بالنسبة لمن تركها، لكنها بالنسبة لرجل الادلة الجنائية قد تكون مفتاحا مهما في فهم ما حدث. شكلها، موضعها، وكيفية وجودها في المكان، كلها تفاصيل تدخل في سلسلة من الفحص والمقارنة والتحليل، لتصبح جزءا من صورة اكبر تساعد في كشف ملابسات الجريمة.

 

لكن العمل لا يتوقف عند البصمات وحدها، فادارة الادلة الجنائية تتعامل مع عالم واسع من الاثار والعينات والقرائن. الدماء والشعر والادوات والاثار المادية المختلفة، كلها قد تحمل معلومات تساعد في اعادة بناء المشهد وفهم تسلسل الاحداث وربط الاشخاص والاشياء بالمكان .

 

وراء كل اثر يقف رجال يعرفون قيمة التفاصيل. رجال يعملون في صمت، يدخلون مسرح الجريمة بعين مختلفة؛ لا ينظرون الى المكان كمساحة جامدة، بل يقرؤون ما تركته الجريمة من علامات. يتحركون بحذر، يوثقون، يجمعون، يحفظون، ويفحصون، لان اي خطا في التعامل مع دليل قد يؤثر على قيمته، واي تفصيل صغير قد يكون هو الحلقة التي تكمل سلسلة الحقيقة.

 

وتتعاظم اهمية هذه الادارة كلما تطورت اساليب الجريمة، فالجريمة الحديثة لم تعد تترك دائما اثارا واضحة، واصبح التعامل معها يحتاج الى علم وتقنيات متقدمة وكوادر مؤهلة قادرة على مواكبة التطور في الفحوصات الجنائية.

ولذلك فان تطوير المعامل والاجهزة، وتحديث وسائل الكشف والتحليل، ورفع كفاءة العاملين، ليست امور تكميلية، بل ضرورة لحماية الدليل وتعزيز قدرته على الوصول بالحقيقة الى مكانها الصحيح.

 

والادلة الجنائية لا تعمل بمعزل عن بقية منظومة العدالة، بل تمثل حلقة اساسية في سلسلة تبدأ من مسرح الجريمة وتمتد عبر التحري والفحص والتحليل، لتقدم في النهاية ما يمكن ان يساعد جهات الاختصاص في بناء الصورة الواقعية للواقعة. قوتها الحقيقية في انها تمنح الحقيقة سندا ماديا، وتضع امام التحقيق قرائن يمكن فحصها ومراجعتها بعيدا عن الظنون والانطباعات.

 

ومن هنا فان رجال الادلة الجنائية يستحقون تقديرا خاصا، لانهم يعملون في مساحة لا تحتمل العشوائية، ويتعاملون مع ادق التفاصيل في اكثر اللحظات حساسية. قد لا تظهر وجوههم كثيرا في المشهد، وقد لا يعرف المواطن اسماء الذين يقفون خلف كثير من النتائج، لكن اثر عملهم حاضر في كل قضية تكشف خيوطها، وفي كل دليل يحفظ، وفي كل حقيقة تجد طريقها الى النور.

 

ينبغي ان تتجه الادارة بصورة اكبر نحو الاستثمار في الانسان والتقنية معا، وتوسيع التدريب التخصصي، وتطوير المعامل، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الفحص والتحليل، وتعزيز التوثيق وحفظ الادلة، حتى تظل مواكبة لتحولات الجريمة وقادرة على التعامل مع اكثر القضايا تعقيدا.

ففي عالم الادلة الجنائية لا توجد تفصيلة صغيرة بلا قيمة.. فقد تكون بصمة لا تكاد ترى، او اثرا يمر عليه الجميع، لكنه عند رجل الادلة الجنائية قد يكون بداية الحقيقة.

 

وحين تصمت الاقوال، تتكلم البصمة.. وحين تختفي الحقيقة بين التفاصيل، يأتي رجال الادلة الجنائية ليعيدوا للتفصيل صوته وللحقيقة طريقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى