علاء الدين محمد ابكر يكتب… قانون حمورابي: بين القمع والإصلاح.. قراءة أخلاقية!!
قبل أكثر من أربعة آلاف عام، وفي قلب أرض الرافدين، أمر الملك حمورابي بنقش قوانينه على مسلة من حجر أسود. 282 مادة تحدد البيع والشراء والزواج والطلاق والدين والعقاب.
اعتبرها التاريخ أول تدوين منظم للقانون في العالم. لكن مع مرور الزمن انقسمت النظرة إليه. فريق يراه أداة قمع بيد سلطة مطلقة، وفريق آخر يراه أول مشروع إصلاحي لإنقاذ مجتمع من الفوضى. فأين الحقيقة من منظور أخلاقي؟
قبل حمورابي كانت العدالة شفهية. يحكم القاضي بما يراه، وتتغير الأحكام بتغير المزاج والمصلحة. القوي يفرض رأيه، والضعيف يضيع حقه، والتاجر يحتال بلا رادع. في هذا الجو جاء حمورابي وقال في مقدمة مسلته إنه أرسل “لكي يسود العدل في البلاد، ولكي لا يظلم القوي الضعيف”. كانت الفكرة الأساسية هي توحيد القانون. حين يعرف كل إنسان ما له وما عليه تقل الحاجة إلى العنف الشخصي والثأر. ونشر القانون على مسلة في الساحة العامة كان بحد ذاته ثورة. لم يعد القانون سراً في يد الكهنة والقضاة، بل صار أمام عين الناس جميعاً.
إذا قرأنا بعض المواد اليوم سنصدم. عقوبات جسدية، ومبدأ “العين بالعين”، وتمييز في قيمة الدية بين طبقات المجتمع، ومسؤولية جماعية في بعض الجرائم. من منظور أخلاقي معاصر قد نسميها قسوة. لكن السؤال الأخلاقي هنا ليس هل تتطابق مع قيمنا اليوم، بل ما الغاية التي أرادها المشرع في زمانه. الغاية كانت الردع. في مجتمع صغير لا توجد فيه شرطة حديثة ولا سجون منظمة، كانت العقوبة الشديدة المعلنة هي الوسيلة الوحيدة لحفظ الأمن. القسوة لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لإيصال رسالة مفادها أن الاعتداء مكلف.
ورغم الشدة، حمل القانون بذور إصلاح عميق. نص على حماية الأرملة واليتيم، وحد من استغلال الدائنين للمدين، وسمح بإسقاط الدين في سنوات المجاعة. حدد أجور الأطباء والبنائين والملاحين، وعاقب الطبيب المهمل والتاجر الغشاش والبناء الذي ينهار بيته فيقتل صاحبه. عاقب القاضي الذي يغير حكمه بعد إصداره، وكان هذا اعترافاً بأن السلطة نفسها تحت القانون. كما نظم الزواج والمهر والميراث والطلاق بهدف منع التفكك وحفظ النسب والمال. أي أن القانون لم يكن عصا فقط، كان فيه ميزان، وكانت فيه محاولة لبناء عقد اجتماعي واضح.
القمع يكون حين يستخدم القانون لخدمة الحاكم فقط، ويُترك الظلم ينتشر. والإصلاح يكون حين يستخدم القانون لضبط المجتمع وحماية الأفراد حتى لو كان الثمن عقوبات شديدة. حمورابي جمع الاثنين معاً. جمع القوة لفرض النظام، وجمع فكرة العدالة كغاية. هو لم يبحث عن مجتمع مثالي، بل عن مجتمع مستقر. والاستقرار عنده يعني أسواقاً آمنة، وحقولاً محمية، وأسراً متماسكة، ودولة لا تسقط. من هنا يمكننا القول إن القانون كان أداة قمع من حيث الشكل، لأنه اعتمد على الترهيب. وكان أداة إصلاح من حيث الجوهر، لأنه نقل المجتمع من حكم المزاج إلى حكم النص المكتوب.
أهم ما فعله حمورابي ليس في مادة بعينها، بل في الفكرة. فكرة أن القانون يجب أن يُكتب ويُعلن ويُطبق على الجميع. فكرة أن الحاكم نفسه ملزم بإقامة العدل، وإلا فهو يخون المهمة التي ادعى أنه جاء من أجلها. بمعايير اليوم هناك مواد نرفضها. وبمعايير عصره كان القانون نقلة هائلة. الأخلاق لا تعيش في فراغ. ما كان يعتبره الناس عدالة قبل أربعة آلاف عام قد لا نعتبره كذلك الآن، لكننا لا نستطيع أن نفهم تطورنا الأخلاقي إلا إذا فهمنا نقطة البداية.
قانون حمورابي لم يكن ملاكاً ولا شيطاناً. كان مرآة لزمنه. زمن يحتاج إلى نظام بأي ثمن، وزمن يؤمن أن الخوف من العقاب هو ما يمنع الإنسان من أذية أخيه الإنسان. ربما كان فيه قمع، لكنه كان قمعاً منظماً بالقانون لا بالهوى. وربما كان فيه إصلاح، لأنه وضع أول لبنة في فكرة أن المجتمع لا يحيا بلا قانون مكتوب. ومن مسلة حمورابي بدأت رحلة البشر الطويلة في البحث عن معادلة صعبة: كيف نحقق الأمن بلا ظلم؟ وكيف نحقق الحرية بلا فوضى؟ سؤال ما زلنا نسأله حتى اليوم.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



