(شـــوكة حـــوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب… سـلعة الكـوادر الطبـية
*تُعاني المؤسسات الطبية الحكومية فى السودان منذ سنوات من تردٍّ مريع وتدهورٍ غير مسبوق فى بنيتها التحتية وخدماتها وهو تدهور لم يقتصر أثره على النقص الحاد في الأدوية والمعدات الحديثة بل تعداه ليكون شرارة التحول الهيكلى والأخلاقة فى منظومة الرعاية الصحية بالبلاد هذا الانهيار المتواصل للقطاع العام فتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الخاص للسيطرة على المشهد، ليتغير شكل الخارطة العلاجية برمتها وتتحول الصحة من حقٍ مكفول للمواطن إلى تجارة مربحة للراغبين فى خوض غمارها ومع تغول هذا الاستثمار أصبحت المستشفيات والمراكز الخاصة
مشهداً مالوفاً فى كل مدينة وحى لتنتشر كالنباتات الفطرية على حساب المؤسسات الرسمية المفلسة لم تعد هذه المستشفيات مجرد بدائل تُقدم خدمات استثنائية بل أضحت البديل الوحيد للباحثين عن أمل فى العلاج مما أوجد واقعاً يقسم المجتمع طبقياً واقتصادياً حيث أضحى الوصول إلى الخدمة الطبية الجيدة مقترناً بشكل مباشر بالقدرة المادية للمريض وما يحمله فى جيبه*.
*إن الخطر الأكبر لهذا الانفتاح الاستثمارى لم يتوقف عند الحدود المالية بل امتد ليمس عمق فلسفة مهنة الطب وأخلاقياتها حيث تحول الكادر الطبي تدريجياً من معلمٍ للرحمة إلى سلعة خاضعة لقوانين العرض والطلب أصبحت الكفاءات والكوادر الصحية تُقيم وفقاً لقدرتها على جذب الزبائن وحصد الأرباح مما أفرغ المهنة من بعدها الإنسانى السامى وجعل الكادر
العادى يشعر وكأنه جزء من منظومة سوقية لا تُلقى بالاً لغير الأرقام والحسابات وفى هذا المشهد الجديد بات دخل الكادر الطبى ومكانته في المستشفيات الخاصة يرتبطان بزيادة أعداد المرضى الوافدين ليتحول المريض في نظر البعض من حالة إنسانية تحتاج للرعاية إلى فرصة استثمارية زيادةً فى العائد أوجد هذا الوضع تنافساً محمومًا بين المؤسسات والكوادر لاستقطاب المرضى وغالباً ما جاء ذلك على حساب جودة الرعاية وعمق الاهتمام النفسى والصحى لتصبح العملية العلاجية برمتها أشبه بصفقة تجارية تنتهى بانتهاء الدفع*.
*وفى المقابل تحولت المستشفيات الحكومية والمراكز العامة إلى مأوى آخير للغلابى والفقراء ممن لا يملكون ثمن الدواء فى المشفى الخاص أضحت هذه المؤسسات تعانى من الإهمال الشديد ونقص الكوادر الخبيرة التى تسربت للقطاع الخاص لتتحول أروقتها إلى شواهد على معاناة الفئات الأكثر هشاشة والذين يواجهون قدرهم بين صفوف الانتظار الطويلة ونقص الإمكانيات الأساسية لقد أسهم هذا الانقسام الحاد في تجذير الفوارق الطبقية داخل المجتمع السودانى حيث بات الفقر سبباً مباشراً للموت أو تفاقم المرض بينما تحمى الأموال أصحابها من غائلات الانهيار الصحى إن مجتمعاً يُصبح فيه العلاج حكراً على من يستطيع الدفع هو مجتمع يخسر مفاهيم التكافل والعدالة الاجتماعية ويُكرس حالة من الاحتقان الشعبى ضد المنظومة الصحية برمّتها*.
*إن ظاهرة تسليع الطب لم تؤثر فقط على المرضى بل انعكست سلباً على صورة الطبيب السودانى الذى كان يلقب بـملاك الرحمة إذ أوجد التكسب المادى جداراً من الجليد بين الطبيب ومريضه شحذت هذه الفجوة مشاعر الريبة لدى المواطن الذى بات ينظر إلى المؤسسات الصحية بوصفها مراكز للجباية لا مراكز للاستشفاء مما أضعف الثقة التاريخية فى أحد أهم أعمدة المجتمع ولا يمكن إعفاء السياسات
الحكومية المتعاقبة والإهمال التراكمى لقطاع الصحة من المسئولية الكاملة عن هذا الوضع إذ أدى تقليص الإنفاق العام على الصحة إلى دفع القطاع الخاص لملء الفراغ دون فرض رقابة صارمة على الأسعار أو معايير الجودة هذا الغياب للرقابة جعل المواطن البسيط فريسة سهلة لجشع بعض المستثمرين الذين أداروا القطاع الصحى بمنطق الربح السريع دون مراعاة للبُعد الأخلاقى والمجتمعى*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*إن الخروج من هذه الأزمة لا يتطلب مجرد ترميم للمستشفيات العامة بل يستدعى إعادة بناء المنظومة الصحية برمتها وفق رؤية تضع صحة المواطن فى قمة أولويات الدولة يجب فرض قوانين صارمة تُنظم عمل القطاع الخاص وتضع حداً للأسعار مع ضمان عودة الكوادر الطبية لدورها الأساسى القائم على نبل المهنة والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية تجاه جميع فئات الشعب*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*فى نهاية الأمر يظل استرداد مجانية وجودة الرعاية الصحية في السودان شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة الكلية فلن يستقيم أمر أي دولة تترك فقرائها يواجهون المرض وحدهم فى أروقة مستشفيات متهالكة إن الحفاظ على إنسانية الطب ومنع تحويله إلى سلعة ليس خياراً رفاهياً بل هو ضرورة لحفظ كرامة المواطن السودانى وحماية ما تبقى من نسيجنا الاجتماعى والتكافلى*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



