مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… صراع الحضارات… خطوات في طريق الهدم

ليست أخطر الحروب تلك التي تُسقط المدن بالقنابل، بل تلك التي تُسقط الإنسان من داخله، وتحوّل الاختلاف إلى كراهية، والتنوع إلى صراع، والحوار إلى مواجهة.

حين تتحول الحضارات إلى أدوات للصراع، لا يعود الاختلاف الثقافي مصدرًا للثراء الإنساني، بل يصبح ذريعة للإقصاء والهيمنة. وهنا تبدأ خطوات الهدم؛ هدم الجسور بين الشعوب، وهدم الثقة بين المجتمعات، وهدم القيم التي راكمتها الإنسانية عبر قرون طويلة.

إن صراع الحضارات لا يبدأ دائمًا بالسلاح، فقد يبدأ بكلمة تُشيطن الآخر، أو بصورة تُهينه، أو خطاب إعلامي يزرع الخوف منه، أو رواية تاريخية تنتقي ما يخدم الصراع وتخفي ما يعزز التعايش.

ثم يتطور الأمر من صراع الأفكار إلى صراع الهويات، ومن صراع الهويات إلى صراع المصالح، ومن صراع المصالح إلى العنف.

وفي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت المعركة أكثر تعقيدًا؛ فالكلمة تنتشر في ثوانٍ، والصورة يمكن أن تتحول إلى أداة تعبئة، والمعلومة المضللة قد تصنع عدوًا من إنسان لم نلتقِ به أصلًا.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحضارات بنفسها هو أن تنسى أن الإنسان هو الغاية، وأن الثقافة وسيلة للتعارف لا للاقتتال.

قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

فالتنوع ليس مشكلة تحتاج إلى الإلغاء، بل حقيقة إنسانية تحتاج إلى إدارة واعية. والحضارة التي لا تستطيع التعايش مع الاختلاف، مهما امتلكت من قوة، تظل مهددة بالسقوط من الداخل.

إن طريق البناء يبدأ بالاعتراف بالآخر، واحترام خصوصيته، وإدارة الاختلاف بالحوار، وتحصين المجتمع من خطاب الكراهية، وبناء إعلام مسؤول لا يحول الخلاف إلى عداوة.

أما طريق الهدم، فيبدأ عندما نعتقد أن حضارتنا لا تكتمل إلا بإلغاء حضارة الآخر.

الحضارات لا تنتصر بهدم بعضها؛ بل تنتصر عندما تجعل من اختلافها فرصة لبناء إنسان أكثر وعيًا، ومجتمع أكثر تسامحًا، وعالم أكثر أمنًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى