د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… لن نُذل ولن نُهان… ولن نرضى بالتوهان!!

الحشود التي تخرج اليوم في مدن مختلفة من البلاد دعمًا للسيادة وتنديدًا بالموقف الأمريكي بشأن تأشيرة زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قد تكون رسالة سياسية وشعبية واضحة، وقد يكون لها صداها، لكن الأهم من الهتاف نفسه هو أن نتوقف قليلًا أمام سؤال أكبر:
ماذا تغيّر بين هتافات الأمس وهتافات اليوم؟
لقد سمعنا مثل هذه الهتافات من قبل، وامتلأت بها الشوارع والساحات، لكن هل تقدمنا خطوة واحدة إلى الأمام؟
هل تغيّرت طريقة تفكير النخب السياسية والعسكرية في إدارة شؤون البلاد؟
هل أصبحت الدولة أقوى بمؤسساتها؟
هل أصبح القرار السوداني أكثر استقلالًا؟
وهل تعلمنا من أخطائنا القديمة؟
هنا المحك الحقيقي.
ليس العيب أن تسقط، ولا أن تفشل في مرحلة من مراحل التاريخ؛ فالأمم تتعثر وتتعلم وتنهض. لكن الإهانة الحقيقية أن تمر السنوات، ثم تجد نفسك في المكان نفسه، أو في وضع أسوأ، لأنك لم تتعلم من أخطائك ولم تغيّر أدواتك.
هذا الشعب السوداني الصابر أسقط ثلاثة جنرالات، وفي كل مرة جاءت النخب السياسية لتعيد إنتاج كثير من أخطاء الماضي، وكأن التاريخ لا يُقرأ إلا من أجل تكرار أحداثه. وما جرى بعد الثورة الأخيرة ما زال قريبًا من الذاكرة، ولا يحتاج إلى كثير من الشرح.
الدول لا تُدار بالعنتريات، ولا بكثرة المواكب، ولا بارتفاع الأصوات وحده. الدول تُدار بالمؤسسات، والقوانين، والخطط، والقدرة على حماية المصالح الوطنية.
إذا كان هناك خلاف أو إشكال متعلق بالتأشيرة، فلتتولَّ وزارة الخارجية الملف عبر قنواته الرسمية والدبلوماسية، ولتُستخدم كل الأدوات القانونية والسياسية المتاحة، بعيدًا عن تحويل كل أزمة إلى معركة هتافات في الشوارع.
أما الشعب والحكومة في الداخل، فالأولى أن تتجه هذه الطاقة الهائلة إلى معركة أكبر وأبقى:
معركة الإنتاج، ومعاش الناس، وإعادة الإعمار، واستعادة الاقتصاد، وبناء الدولة.
نحن في حاجة إلى تحويل الحشود من طاقة احتجاجية مؤقتة إلى طاقة إنتاجية مستدامة؛ إلى وعي بالإصلاح، ومراقبة للخدمات، ومساندة للإنتاج، وسد للثغرات، ومحاسبة على النتائج، وإصرار حقيقي على النهوض بالبلاد.
السودان لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أنه غاضب؛ السودان يحتاج إلى أن يثبت أنه قادر على النهوض.
السيادة ليست شعارًا يُرفع في الميادين فقط، بل اقتصاد قوي، ومؤسسات محترمة، وقضاء وقانون، ودبلوماسية فاعلة، وحدود محمية، وإنتاج يغنينا عن السؤال، ودولة يعرف فيها المواطن إلى أين تتجه البلاد ومن المسؤول عن ماذا.
لقد سئم الشعب السوداني حالة التوهان.
يريد أن يرى دولة تعرف ماذا تريد، وأين تتجه، وكيف تصل، ومتى تحاسب المسؤول عن التقصير.
لن نُذل ولن نُهان… ولن نرضى بالتوهان.
لكن الطريق إلى الكرامة لا يمر عبر الهتاف وحده؛ بل عبر دولة المؤسسات، وقوة الاقتصاد، ووحدة القرار، والعمل الذي يحوّل الشعارات إلى واقع.



