(دبابيس حارة) عثمان يونس يكتب… من التهديد إلى التراجع… هل انحنت واشنطن أمام العاصفة؟
الشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة فاصلة ، لم يعد فيها مجرد النفوذ العسكري أو القوة الاقتصادية الضخمة كافيا لتحديد مسار الأحداث . ما كان يحسم بالقوة الأمريكية وحدها لم يعد ممكنا ، والمشهد مفتوح على تحولات غير مسبوقة ، تحركها صراعات النفوذ التحالفات الجديدة ، وموازين القوى الدولية المتغيرة بوتيرة متسارعة .
بين الصلف الأمريكي الإسرائيلي ، والتصعيد الإقليمي ، وظهور لاعبين جدد على الساحة مثل الصين وروسيا ، يقف الشرق الأوسط على مفترق طرق ، حيث تتشكل قواعد اللعبة من جديد.
في قلب هذا الصراع ، برزت إيران كلاعب محوري يعيد ترتيب أوراق اللعبة الإقليمية والدولية . لم تعد إيران مجرد قوة إقليمية عابرة، بل أصبحت قادرة على التأثير في الممرات الحيوية التي تتحكم في شريان الطاقة العالمي وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تحول من مجرد ممر للطاقة إلى رمز للقوة والتأثير الاستراتيجي . هذا التحول يعكس نجاح إيران في فرض معادلة جديدة على القوى الكبرى ، وإجبار الولايات المتحدة على إعادة النظر في استراتيجياتها .
التحولات التي شهدتها الايام الأخيرة ليست وليدة لحظة ، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الصراع المفتوح بين واشنطن وطهران . الولايات المتحدة ، التي اعتادت على فرض إرادتها بسهولة ، وجدت نفسها أمام واقع جديد ، لم تعد فيه السيطرة المطلقة ممكنة . ومع تصاعد أدوار الصين وروسيا في مجلس الأمن الدولي، أصبح القرار الدولي رهين توازنات دقيقة ، تتقاطع فيها المصالح وتتقارب و تتصادم عند حدود النفوذ مما يخلق معادلات أكثر تعقيدا وأشد دقة .
في هذا المشهد تبدو إسرائيل أمام اختبار حقيقي. اعتمادها التاريخي على الدعم الأمريكي لم يعد يضمن لها الحماية الكاملة ، خاصة مع صعود نزعات سياسية وعسكرية داخل واشنطن تدفع نحو التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات . وحتى تصريحات ترامب الأخيرة حول بعض الملفات الساخنة ، يكمن السؤال فيها هل هذا تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع استراتيجي أعمق؟
الوقائع على الأرض يؤكد أن الصراع لم ينته بعد. التوترات المتكررة في جنوب لبنان ، وتصاعد الاشتباكات المحدودة ، تعكس أن الاشتباك مستمر، وأن الرسائل العسكرية لا تزال جزءا من معادلة الردع المتبادل بين اسرائيل وحلفاء ايران . هذه المعادلة تجعل الاحتمالات مفتوح ،، بين التصعيد المحدود والتهدئة المشروطة ، دون حسم نهائي. المنطقة تبدو على صفيح ساخن، حيث كل خطوة يمكن أن تؤدي إلى تحولات كبيرة في موازين القوى.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيير سطحي في الخطاب السياسي، بل إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوة. الحديث عن انكسار الجبروت أو انتصار الإرادة قد يحمل بعدا تعبويا ، لكنه لا يكفي لتفسير واقع معقد يتطلب فهم التفاعلات الإقليمية والدولية كلها. إيران نجحت في كسر جزء من الهيمنة التقليدية ، دون أن يعني ذلك نهاية النفوذ الأمريكي أو تراجع إسرائيل إلى الهامش. إنها مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: لا غالب ولا مغلوب ، صراع مفتوح تعاد فيه صياغة النفوذ وفق معطيات متغيرة.
تاريخيا، كانت مفاتيح السيطرة على الشرق الأوسط مرتبطة بالقوة العسكرية الأمريكية والدعم الإسرائيلي. اليوم، ظهرت حقائق جديدة الصين وروسيا أصبح لهما تأثير مباشر على القرار الدولي ، مما يفرض على واشنطن تعديل سياساتها وموازنة أوراقها. التعددية الجديدة في مراكز القرار الدولي وتجعل كل خطوة محسوبة ، وكل تصرف له تداعيات سريعة على الأرض وعلى مستوى التحالفات الإقليمية.
إيران، من جانبها، لم تقف عند حدود فرض النفوذ العسكري فقط، بل نجحت في توظيف أوراق السياسة والدبلوماسية بذكاء، ما جعلها تتصدر المشهد الإقليمي ، وتفرض شروطها على اللاعبين الرئيسيين . مواقف طهران، خاصة في التعامل مع ملف مضيق هرمز ، يؤكد أنها باتت تتحكم في أحد أهم مفاتيح الطاقة والنفوذ في العالم ، وأن أي حسابات مستقبلية دون مشاركتها لن تكون كاملة.
أما على صعيد التحولات الداخلية في واشنطن، فهناك علامات على تراجع الخطاب الأحادي الذي اعتمد على القوة المطلقة ، ترامب أوضح عبر مواقفه الأخيرة أنه قد يكون مضطرا لقبول التسويات في بعض الملفات ، وهو مؤشر على أن الضغوط الدولية والإقليمية أثمرت ، وأن الولايات المتحدة باتت أمام خيار التكيف مع الواقع الجديد بدلا من فرضه .
المستقبل القريب لا يزال محكوما بمنطق التوازن المقلق ، حيث تتجنب الأطراف الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تتخلى عن أوراق الضغط والتأثير. كل طرف يسعى لتعزيز موقفه الاستراتيجي دون الدخول في صراع مفتوح قد يكون مكلفا على المستوى الاقتصادي والسياسي. في هذا الإطار، سيبقى مضيق هرمز مفتاح اللعبة ، ليس فقط لأهميته الاقتصادية ، بل لرمزيته الاستراتيجية كأداة قوة وتأثير في سباق النفوذ.
ما نشهده اليوم هو بداية فصل جديد في صراع القوى العالمية والإقليمية ، أكثر تعقيدا، وأكثر إثارة، حيث تتقاطع إرادات اللاعبين الكبار والإقليميين في سباق مفتوح لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والعالم. المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعريف التحالفات،و إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة صياغة موازين القوة بطريقة لم تعهدها المنطقة منذ عقود.
في النهاية، السؤال الذي يطرحه الواقع أمامنا هل ستنجح إيران في الحفاظ على نفوذها المتزايد وتحقيق أهدافها الاستراتيجية؟
وهل ستستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل التكيف مع الواقع الجديد، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة صراع طويل ومفتوح، تتحكم فيه التحولات الدولية أكثر من أي وقت مضى؟ الإجابة لن تكون سهلة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد كما كان ، وأن إرادات القوى الصاعدة باتت تفرض نفسها على خريطة النفوذ



