مقالات الظهيرة

خالد امين زكي يكتب… همسُ المدائن: ترنيمةُ النيل بين “تلٍّ” يترفعُ و”سهلٍ” يتدفّق.. في قلب السودان

​بين “الرصيرص” التي وهبتني ذاكرة الطين، و”ودمدني” التي صقلت فيّ وعي المدينة، أجدني منشغلاً بترميم فكرةٍ قد تبدو للبعض ترفاً، لكنها في صميم الوجود: “هندسة الذهول”.

ففي زمنٍ استُهلكت فيه الكلمات حتى جفّت معانيها، تصبح مهمة الكاتب الصحفي هي إعادة “الدهشة” إلى عقل القارئ، ليس عبر الصراخ، بل عبر “الهمس” الذي يخرق جدار الصمت ليعيد تعريف الأشياء.
​تأملوا معي جغرافيا “الرصيرص”؛ تلك التلال التي تترفعُ عن النيل بوقارٍ قليل، لا لتعزله، بل لتترك للسهول الساحلية مساحةً من التناغم الفطري مع الموج. هذا المشهد المهندس ربانياً هو “المسطرة” التي أقيسُ بها علاقتي بالأمكنة؛ فأنا في الرصيرص أستمدُّ رفعة التلال وشموخها، وفي ودمدني أتمددُ كسهلٍ ساحلي يحتضنُ فكر النخبة ويستقبلُ تدفق الحداثة. إنها “كيمياء التضاريس” التي صاغت حبري؛ ترفعٌ في الرؤية، وانبساطٌ في التلقي.

​إننا نعيشُ اليوم في قلب “ثقبٍ كبير”؛ ليس ثقباً في الاقتصاد فحسب، بل هو “ثقبٌ وجداني” تسربت منه قيمنا وسط ركام الضجيج. وحين أحنُّ إلى الرصيرص، فأنا لا أمارس “نوستالجيا” عابرة، بل أستدعي ذلك “التناغم” بين التل والسهل لترميم انكسارات الواقع. وحين أكتب من مدني، فأنا أستخدم “مِبضع” الجراح لأشرح هذا الثقب، باحثاً عن اللحظة التي يتحول فيها “الأزرق العاتي” من مجرد نهرٍ يمر، إلى “فلسفة بقاء” تجري في عروقنا.

​الاحترافية الحقيقية هي أن تجعل القارئ “يُفاجأ” بنفسه في مرآة حرفك؛ أن يشعر المفكر بأن المقال “مختبرٌ فكري” يعيد ترتيب فوضى العالم، ويشعر الإنسان البسيط بأن الكلمات هي “خبزٌ معنوي” يمنحه القوة. هذا هو التكنيك الذي أنشده؛ أن نكتب بلغةٍ “فخمة” تليق بمقام النخبة، لكنها “سهلة” كشربة ماء من “زير” في جروف مدني.

​أيها السادة، إن الكاتب الذي يسكنُ المدن ولا تسكنه، هو كاتبٌ يكتبُ على الرمل. لذا، فإني أصهرُ رفعة تلال الرصيرص بتواضع سهول مدني، لأقدم لكم نصاً لا يقبل “السطو” لأنه منسوجٌ من “DNA” الوجع والأمل السوداني الخالص.

نحن لا نكتبُ لنملأ الفراغ في صحيفة “الظهيرة”، بل نكتبُ لنردم الفراغ في الأرواح. وحين تندهشون لتقاطع الفلسفة بالوجدان، فاعلموا أننا بدأنا أولى خطوات “الريادة”؛ فالدهشة هي أولى مراحل الاستنارة، والصمت المهندس هو أبلغ لغات الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى