حين تتحدث الجالية… عدوي في قلوب السودانيين بمصر!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية ورئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر (تحت التاسيس)
============
الحمد لله الذي جعل المحبة بين الناس جسراً لا تهدمه المسافات، وجعل الوفاء سجيةً كريمة لا تُشترى ولا تُستعار، وجعل للرجال في قلوب الناس منازل لا تمنحها المناصب ولا تنتزعها البروتوكولات.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، المصطفى المجتبى، صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فإن بعض المشاهد لا تحتاج إلى من يشرحها، وبعض المواقف لا تحتاج إلى من يترجمها؛ لأن الصورة فيها أبلغ من ألف كلمة، والوجوه فيها أصدق من كثير من الأقلام.
وهكذا كان مشهد ليلة تكريم الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير جمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية والمندوب الدائم للسودان لدى جامعة الدول العربية.
لم يكن بيتك في تلك الليلة مجرد مكان اجتمع فيه الناس.
كانت السودان حاضراً.
وكانت مصر حاضرة.
وكانت الجالية السودانية، بكل أطيافها، حاضرةً بقلبها قبل أن تحضر بأجسادها.
حين تتحدث الجالية بلا مكبرات صوت
هناك شهادات تُكتب في الصحف، وشهادات تُقال في المنابر، وشهادات تُمنح في الاحتفالات.
ولكن هناك شهادة من نوع آخر:
أن يأتي الناس من تلقاء أنفسهم.
أن يترك الرجل عمله، والمرأة بيتها، والشاب مشاغله، والطالب دراسته، والشيخ مجلسه، ثم يجتمع الجميع في مكان واحد ليقولوا لرجل:
نحن نقدرك.
هذه هي الشهادة التي لا تُشترى.
وهذه هي الشهادة التي لا تحتاج إلى قرار لجنة.
لقد كان الحضور في ليلة التكريم متنوعاً بصورة لافتة؛ من القيادات الأهلية والصوفية، إلى الصحفيين والإعلاميين، وأهل الثقافة والفن والمسرح، ورجال الأعمال، والمرأة السودانية، والشباب والطلاب، وممثلي المنظمات والمبادرات، إلى جانب شخصيات وقيادات مصرية رسمية وشعبية.
وما يجمع هؤلاء جميعاً ليس مؤسسة واحدة.
ولا وظيفة واحدة.
ولا مصلحة واحدة.
وإنما شيء أبسط وأعمق:
المحبة.
السفير الذي عرف أن وراء كل ملف إنساناً
في زمن الحرب، تغيّر معنى السفارة بالنسبة للسودانيين في مصر.
لم تعد السفارة بالنسبة لكثير من أبناء الجالية مجرد مكان لاستخراج جواز أو وثيقة.
أصبحت عنواناً للدولة.
وأصبح السفير في نظر المواطن جزءاً من الصورة التي يرى بها وطنه خارج الحدود.
ومن هنا فإن قرب المسؤول من الناس يصبح أمراً يتجاوز المجاملة.
فالمواطن الذي جاء إلى مصر وهو يحمل وجع الحرب، أو فقد منزله، أو ترك أهله، أو انقطع عن عمله، أو جاء بحثاً عن علاج أو تعليم أو أمان، لا يريد دائماً خطاباً دبلوماسياً طويلاً.
يريد من يسمعه.
يريد من يدله.
يريد من يشعره بأن السودان لم ينسه.
وهنا تتحدث الجالية عن رجلٍ عرف كيف يفتح بابه، وكيف يستمع، وكيف يقترب من الناس، وكيف يجعل من مكتبه مساحةً للقاء لا حاجزاً بين المسؤول والمواطن.
الباب المفتوح
ولعل من أجمل ما قيل في ليلة التكريم أن مكتب السفير لم يكن بعيداً عن الناس.
وهذه خصلة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عظيمة في أثرها.
فالمسؤول الذي يغلق بابه يستطيع أن يؤدي بعض واجباته من خلف الملفات.
أما المسؤول الذي يفتح بابه للناس، فإنه يسمع ما لا يصل إلى التقارير.
يسمع شكوى الأم.
ويرى قلق الطالب.
ويعرف حاجة المريض.
ويلتقي بأهل السودان على اختلاف مشاربهم.
وفي الأزمات، قد تكون كلمة واحدة من مسؤول، أو اتصال واحد، أو توجيه واحد، سبباً في فتح باب كان المواطن يظنه مغلقاً.
ولهذا لا تستغرب أن تجد الناس يذكرون المسؤول لا بما قاله عن نفسه، وإنما بما فعلوه هم حين احتاجوا إليه.
الجالية ليست رقماً
الجالية السودانية في مصر ليست رقماً في إحصائية.
إنها مجتمع كامل يحمل معه ذاكرة السودان، وعاداته، ولهجاته، وأغانيه، وطرقه الصوفية، وثقافته، وأحلامه، وأوجاعه.
وفي القاهرة والمدن المصرية، تجد السوداني القادم من الخرطوم، ومن الجزيرة، ومن دارفور، ومن كردفان، ومن الشمالية، ومن الشرق، ومن النيل الأزرق، ومن كل بقاع السودان.
قد تختلف المناطق.
وقد تختلف التجارب.
لكن الوطن واحد.
وكان على السفارة أن تتعامل مع هذا التنوع كله.
ومن هنا تأتي قيمة أن يشعر السوداني، أياً كان موقعه أو انتماؤه الجغرافي أو الاجتماعي، بأن أبواب السفارة مفتوحة أمامه.
مصر… حين يصبح البلد الشقيق وطناً للنجاة
ولا يمكن أن نتحدث عن الجالية السودانية في مصر دون أن نقول كلمة حق في مصر.
لقد وجد ملايين السودانيين في مصر ملاذاً خلال الحرب.
فتحوا البيوت.
واستقبلت المدارس أبناءهم.
واستقبلت المستشفيات مرضاهم.
وتقاسم المصريون والسودانيون الخبز والماء والهموم.
ولذلك فإن علاقة السفير بالجالية لم تكن منفصلة عن علاقة السودان بمصر.
فكلما نجحت السفارة في مد جسور التواصل بين السودانيين والمصريين، كانت تضيف حجراً جديداً في بناء العلاقة بين الشعبين.
في ليلة الوفاء
وأنا أتابع ذلك المشهد، لم أستطع أن أتجاهل دلالته.
فالناس يستطيعون أن يجاملوا في مناسبة صغيرة.
لكن من الصعب أن يجتمع هذا التنوع الكبير من السودانيين والمصريين في مناسبة واحدة دون أن يكون وراء ذلك شعور حقيقي بالتقدير.
كانت الوجوه تقول ما لا تقوله البيانات.
وكانت الكلمات تخرج من القلب.
وكان الحضور نفسه رسالة.
ومن هنا أقول:
إن محبة الجالية ليست وساماً رسمياً، لكنها من أثمن الأوسمة التي يمكن أن يحملها مسؤول عام.
لأن المسؤول يستطيع أن يحصل على خطاب شكر.
وقد يحصل على شهادة تقدير.
وقد تكتب الصحف عن إنجازاته.
لكن أن يجد نفسه بين أهله وناسه، وأن يرى في عيونهم تقديراً صادقاً، فتلك منزلة أخرى.
يا أهل السودان في مصر…
لقد كانت ليلة الأمس مناسبة للتكريم، لكنها كانت أيضاً مناسبة لتذكير أنفسنا بأن السودانيين، رغم ما أصاب وطنهم من جراح، ما زالوا قادرين على الاجتماع حول القيم الجميلة.
قيمة الوفاء.
وقيمة الاعتراف بالجميل.
وقيمة احترام من خدم.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يخرج به المرء من هذه المناسبة ألا نجعل التكريم متعلقاً بشخص وحده، وإنما نجعله ثقافة سودانية أصيلة:
أن نكرم من خدم، ونشكر من أحسن، ونحفظ للناس أقدارهم.
إلى الفريق أول عماد الدين عدوي
يا سعادة السفير…
لقد رأيتَ بالأمس وجوهاً جاءت إليك من جهات مختلفة، وربما لم تجمعها بك معرفة شخصية، لكنها جمعتها بك كلمة واحدة:
التقدير.
فخذ من هذه الوجوه دعاءً صادقاً، ومن هذه الكلمات شهادة محبة، ومن هذا الجمع رسالة تقول إن السوداني حين يجد من يقف معه في غربته لا ينسى.
وإن انتهت المهمة يوماً، فإن المناصب تنتهي، والرتب لا تبقى، والمكاتب تُغلق أبوابها، والسيارات تمضي إلى وجهتها.
لكن شيئاً واحداً يبقى:
الأثر في قلوب الناس.
وهذا الأثر لا تمنحه الدولة بقرار، ولا تمنحه السفارة بكتاب.
إنما تمنحه الناس.
كلمة أخيرة
في ليلة التكريم تلك، لم تكن الجالية السودانية تصفق لمنصب.
كانت تصفق لرجلٍ رأت فيه، في مرحلة صعبة، مسؤولاً اقترب من الناس.
وكانت مصر حاضرةً أيضاً، تقول إن العلاقة بين الشعبين أكبر من السياسة، وأعمق من البروتوكول، وأقدم من المناصب.
ولذلك فإنني أقولها من قلب المشهد:
شكراً لكل سوداني جاء يحمل قلبه قبل حضوره.
شكراً لكل مصري شارك السودانيين فرحتهم ووفاءهم.
شكراً لكل من قال كلمة طيبة في حق رجلٍ خدم وطنه في زمنٍ عصيب.
وشكراً للفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي على ما قدم، وعلى ما بذل، وعلى ما ترك من أثر.
فقد علمتنا ليلة الوفاء أن الإنسان قد يغادر الكرسي، ولكنه إذا أحسن العمل، فإن الكرسي لا يغادر ذاكرة الناس.
وهذه هي الشهادة التي لا تحتاج إلى ختم.
والله من وراء القصد.



