الوجود الأجنبي: القنبلة القاتلة.. ماله وما عليه… َبين الإنسانية وسيادة الدولة

بسم الله الرحمن الرحيم
رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي
الوجود الأجنبي: القنبلة القاتلة ماله وما عليه
الجزء الثالث: بين الإنسانية وسيادة الدولة
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها أن نضع الإنسانية في مواجهة القانون، وكأن الدولة إذا طبقت قوانينها على الأجانب أصبحت دولة قاسية، وإذا تركت الأمور بلا تنظيم أصبحت دولة رحيمة.
وهذا فهم غير صحيح.
فالإنسانية الحقيقية لا تتعارض مع سيادة الدولة، بل إن القانون المنضبط هو الذي يحمي الإنسان نفسه.
السودان ظل، عبر تاريخه، ملجأً لكثير من الشعوب التي مرت بالحروب والمجاعات والكوارث.
استقبل السودانيون جيرانهم وإخوانهم، وتقاسموا معهم الطعام والسكن والماء، ولم تكن الجنسية يوماً حاجزاً أمام النجدة.
وهذه قيمة يجب أن نحافظ عليها.
لكن الإنسانية تحتاج إلى مؤسسات حتى تستمر، وإلى قوانين حتى لا تتحول إلى فوضى، وإلى بيانات حتى تستطيع الدولة توفير الخدمات لمن يحتاج إليها.
فاللاجئ الحقيقي يحتاج إلى حماية، لكن هذه الحماية يجب أن تكون في إطار قانوني واضح.
والعامل يحتاج إلى فرصة، لكن فرصة العمل ينبغي أن تكون وفق القانون.
والمستثمر يحتاج إلى الأمان، لكن عليه في المقابل أن يحترم قوانين البلاد وحقوق العاملين والضرائب والتراخيص.
والطالب الأجنبي مرحب به، لكنه يخضع أيضاً للوائح التعليم والإقامة.
وهكذا يصبح السودان بلداً مضيافاً دون أن يكون بلداً مستباحاً.
وهنا يجب أن نعيد النظر في مفهوم سيادة الدولة.
السيادة ليست شعاراً يرفع في الخطب، وإنما هي قدرة الدولة على إدارة حدودها ومنافذها وسكانها ومؤسساتها ومواردها.
ومن حق السودان، كأي دولة في العالم، أن يعرف من يدخل أرضه، وأن ينظم إقامته، وأن يحدد شروط العمل والاستثمار، وأن يتخذ الإجراءات القانونية بحق من يخالف قوانينه.
وهذا لا يتعارض مع حقوق الإنسان، بل إن تطبيق القانون على الجميع يحمي حقوق الجميع.
لكن المشكلة في السودان ليست دائماً في النصوص.
المشكلة في كثير من الأحيان في ضعف التنفيذ وتداخل الاختصاصات وغياب قاعدة البيانات وعدم التنسيق بين الجهات الرسمية.
ولهذا فإن الحل لا يكون بحملات عشوائية، ولا بإطلاق الاتهامات على الأجانب، ولا بإثارة الكراهية ضد شعوب بأكملها.
الحل في بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة الوجود الأجنبي.
منظومة تبدأ من المنافذ الحدودية، وتصل إلى السجل المدني والجوازات والهجرة والعمل والضرائب والصحة والولايات والمحليات والأجهزة الأمنية المختصة.
وينبغي أن تكون هناك قاعدة بيانات وطنية موحدة تحدث بصورة مستمرة.
كما ينبغي مراجعة تراخيص العمل والإقامة والاستثمار، والتأكد من أن النشاط الذي يمارسه أي شخص هو النشاط الذي سمح له القانون بممارسته.
وفي المقابل، يجب أن نضع سياسة واضحة لحماية اللاجئين الحقيقيين، ومنحهم حقوقهم الإنسانية، ومنع استغلال ظروفهم.
فلا يجوز أن يتحول اللاجئ إلى ضحية للمتاجرين بالبشر، ولا يجوز أن تتحول قضية اللجوء إلى باب للفوضى.
إن السودان يحتاج اليوم إلى دبلوماسية إنسانية، وسياسة هجرة رشيدة، وأمن حدودي قوي، وتشريع فعال، وتنفيذ عادل.
فلا نغلق أبوابنا في وجه المظلوم، ولا نفتح أبوابنا للفوضى.
وهذا هو التوازن الذي ينبغي أن نبحث عنه.
للتواصل: abuobidaabass949@gmail.com 00201147373693 00201096351339



