مقالات الظهيرة

السودان بين الضغوط الدولية وإعادة البناء… الدبلوماسية الشعبية والمغتربون.. قوة السودان التي لم تُستثمر!!

رؤية وطنية.. َنكتب للوطن و نفكر للمستقبل

(الجزء الثاني)

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

في الجزء الأول من هذا المقال تحدثنا عن عناصر القوة التي يمتلكها السودان، وعن أهمية السودانيين في الخارج، وعن التكامل بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الشعبية، وعن ضرورة النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مشروعاً لبناء الإنسان والدولة، لا مجرد إعادة تشييد ما تهدم.

 

وفي هذا الجزء نواصل الحديث عن الطريق الذي يمكن أن يقود السودان من مرحلة الاستنزاف إلى مرحلة البناء.

 

سادساً: بعد الحرب يجب ألا نعود إلى ما قبلها

 

هذه نقطة شديدة الأهمية.

 

إذا انتهت الحرب ثم عاد السودان إلى ذات الطريقة القديمة في إدارة الدولة، فإننا نكون قد أعدنا إنتاج أسباب الأزمة.

 

السودان يحتاج إلى مرحلة تأسيس جديدة.

 

مرحلة تقوم على مؤسسات قوية، وقانون يحكم الجميع، وإدارة حديثة، واقتصاد منتج، وتعليم قوي، ودبلوماسية محترفة، وعلاقة واضحة بين الدولة والمجتمع.

 

وقد تناول الدكتور كرار التهامي في حواراته وكتاباته مسألة الانتقال السياسي ومهدداته، وربطها بأسئلة أوسع تتعلق ببناء الدولة والعقل السياسي السوداني.

 

وهذا يقودنا إلى حقيقة لا بد من الاعتراف بها:

 

أزمة السودان ليست أزمة موارد فقط، وإنما هي أيضاً أزمة إدارة وعقل سياسي ومؤسسات.

 

سابعاً: الجاليات السودانية ليست تجمعات اجتماعية فقط

 

الجالية السودانية في أي دولة ليست مجرد تجمع لإقامة المناسبات الاجتماعية.

 

إنها يمكن أن تكون جسراً بين السودان والدولة التي تقيم فيها.

 

يمكنها أن تفتح أبواب الجامعات، وتسهم في الاستثمار، وتدعم المرضى والطلاب، وتنقل المعرفة، وتحسن صورة السودان، وتتواصل مع المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية في بلد الإقامة.

 

وهذا هو جوهر الدبلوماسية الشعبية.

 

وقد سبق أن طُرحت في السودان فكرة الربط المنهجي بين العمل الرسمي والشعبي عبر مجالس الجاليات، بما يعزز الإنتاج المعرفي والإنساني والاقتصادي، وهي فكرة تستحق تطويرها في إطار مؤسسي حديث.

 

فالجالية ليست فقط عنواناً اجتماعياً للسودانيين في الخارج؛ بل يمكن أن تكون مؤسسة من مؤسسات التواصل الوطني إذا أحسن تنظيم طاقاتها وربطها بالمصلحة الوطنية.

 

ثامناً: نحتاج إلى عقد وطني جديد مع السودانيين في الخارج

 

إن السودان بحاجة إلى أن يقول لأبنائه في الخارج:

 

أنتم جزء من الدولة، لا مجرد مورد للتحويلات.

 

نريد منكم العلم قبل المال.

 

نريد الخبرة قبل التحويل.

 

نريد الاستثمار قبل التبرع.

 

نريد الشراكة قبل المساعدة.

 

نريد أن يكون السوداني في الخارج شريكاً في بناء وطنه.

 

وفي المقابل يجب على الدولة أن توفر له الأمان القانوني، والشفافية، والحوافز، والخدمات، والمعلومات، وحماية الاستثمار، وسهولة الإجراءات.

 

فالثقة لا تُطلب بالكلمات، وإنما تُبنى بالممارسة.

 

وعندما يشعر السوداني في الخارج أن دولته تراه شريكاً حقيقياً، فإن علاقته بالوطن تنتقل من مجرد الحنين والارتباط العاطفي إلى المشاركة الفاعلة في البناء.

 

تاسعاً: من الدبلوماسية الشعبية إلى المشروع الوطني

 

وهنا أصل إلى الفكرة التي أرى أنها تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني متكامل:

 

إنشاء منظومة وطنية للدبلوماسية الشعبية السودانية.

 

منظومة لا تعمل بديلاً عن وزارة الخارجية، وإنما تعمل معها.

 

ولا تتنافس مع السفارات، وإنما تدعمها.

 

ولا تصادر دور الجاليات، وإنما تنظم طاقاتها.

 

ولا تجعل العمل الشعبي تابعاً لشخص أو حزب أو جهة، وإنما تجعله عملاً وطنياً مؤسسياً.

 

وإذا نجح السودان في بناء هذه المنظومة، فإنه سيكون قد امتلك ذراعاً شعبية واسعة تمتد من القاهرة والرياض ودول الخليج إلى أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا وأستراليا.

 

وهذه شبكة بشرية سودانية يمكن أن تكون من أهم أدوات إعادة بناء السودان.

 

عاشراً: السودان الذي نريده

 

السودان الذي نريده ليس سودان الحرب.

 

وليس سودان الاستقطاب.

 

وليس سودان الخصومات التي لا تنتهي.

 

إنه السودان الذي يجد فيه أبناؤه سبباً للعودة، ويجد فيه المستثمر الأجنبي فرصة، ويجد فيه العالم شريكاً موثوقاً، ويجد فيه الشباب مستقبلاً، ويجد فيه المغترب مكاناً حقيقياً للمشاركة.

 

نريد سوداناً تكون فيه الدولة أكبر من الأشخاص، والمؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون فوق الجميع، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة.

 

نريد وطناً لا يبدد أبناءه، وإنما يستعيدهم.

 

ولا يطرد كفاءاته، وإنما يستفيد منها.

 

ولا ينظر إلى أبنائه في الخارج باعتبارهم مصدراً للتحويلات، وإنما باعتبارهم ثروة وطنية ممتدة خارج الحدود.

 

كلمة أخيرة

 

إن السودان بعد هذه الحرب يقف أمام فرصة تاريخية، مهما كانت قسوة الطريق.

 

والفرص التاريخية لا تأتي دائماً في صورة انتصار سهل؛ أحياناً تأتي في صورة محنة تجبر الأمم على إعادة النظر في كل شيء.

 

ولعل أهم ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد تعريف معنى الوطنية.

 

الوطنية ليست شعاراً.

الوطنية عمل.

 

والوطنية ليست أن نتحدث عن السودان فقط، بل أن نسأل كل صباح:

 

ماذا قدمنا للسودان؟

 

وإذا كان لنا أن نضع عنواناً للمرحلة القادمة، فإنني أختار:

 

من السودان الذي أنهكته الحرب، إلى السودان الذي يبنيه أبناؤه.

 

ومن الدبلوماسية التي تتحدث باسم الدولة وحدها، إلى دبلوماسية وطنية تتكامل فيها الدولة والشعب.

 

ومن المغترب الذي يعيش بعيداً عن وطنه، إلى سوداني في الخارج يحمل وطنه معه أينما ذهب.

 

ومن إعادة إعمار الحجر، إلى إعادة بناء الإنسان والدولة والعقل الوطني.

 

ذلك هو الطريق.

 

وذلك هو السودان الذي نحلم به.

 

والمداد لا يجف ما دام الوطن في حدقات العيون وفي سويداء القلب وبين الضلوووع وفي الوطن بقية من أمل

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

رؤية وطنية — نكتب للوطن و نفكر للمستقبل

 

للتواصل:

📧 abuobidaabass949@gmail.com

📱 00201147373693 & 00201096351339

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى