مقالات الظهيرة

(إذان صاغية)… السودان في حرب أكتوبر… حين انتصر التاريخ لوحدت وادي النيل!! 

بقلم الدكتور /عامر ابراهيم محمد

باحث في القانون الدولي الإنساني

ليست كل الحروب مجرد ساحات للقتال، وليست كل المواقف تُقاس بعدد الجنود والأسلحة؛ فبعض اللحظات التاريخية تكشف معدن الشعوب، وتختبر عمق العلاقات بينها، وتُظهر أن التضامن الحقيقي لا تصنعه البيانات وحدها، وإنما تصنعه المواقف حين تشتد المحن.

ومن بين تلك اللحظات الخالدة تأتي حرب أكتوبر 1973، التي شكّلت محطة فارقة في التاريخ العربي الحديث، حين بادرت مصر وسوريا إلى مواجهة إسرائيل في السادس من أكتوبر، في معركة استهدفت استعادة الأراضي العربية المحتلة وفرض واقع جديد في المنطقة.

وفي تلك اللحظة، لم يقف السودان متفرجًا. فقد أعلن دعمه لمصر وسوريا، وشارك عسكريًا ضمن الجهد العربي المساند للجبهة المصرية، كما اتخذ موقفًا سياسيًا مؤيدًا للموقف العربي، مؤكدًا حق الدول العربية في استعادة أراضيها المحتلة.

لكن قراءة الموقف السوداني في حرب أكتوبر لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المشاركة العسكرية أو الموقف السياسي؛ فهناك معنى أعمق، يرتبط بطبيعة العلاقة التاريخية بين الشعبين المصري والسوداني.

حين يتحدث التاريخ بلغة النيل

إن العلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عابر، ولا وليدة ظرف سياسي مؤقت؛ إنها علاقة تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الإنساني والحضاري والثقافي والاقتصادي.

فالتاريخ التليد هو الشريان الذي تتغذى منه أواصر العلاقات الأزلية بين البلدين، والنيل هو شريان الحياة الذي حمل الماء والحضارة، وربط بين شعبين تشاركا الأرض والتاريخ والمصير.

ولذلك فإن الحديث عن مصر والسودان لا يمكن أن يُختزل في خرائط وحدود سياسية؛ فهناك عائلات ممتدة بين البلدين، وطلاب عبروا الحدود طلبًا للعلم، ومثقفون وفنانون وأدباء أسهموا في إثراء الحياة الثقافية المشتركة، وتجار ومزارعون وحركة اقتصادية واجتماعية ظلت على امتداد التاريخ تصنع جسورًا من التواصل بين الشعبين.

لقد كان النيل أكثر من مجرى مائي؛ كان فضاءً للحياة والتواصل والحضارة. ومن حوله تلاقت المجتمعات، وتبادلت المنافع والخبرات، وتشكلت ذاكرة مشتركة ما زالت حاضرة في وجدان المصريين والسودانيين.

أكتوبر… عندما ترجمت الأخوة نفسها إلى موقف

من هذا المنظور، تبدو المشاركة السودانية في حرب أكتوبر جزءًا من سياق تاريخي أوسع. فالسودان لم ينظر إلى الحرب باعتبارها شأنًا مصريًا بعيدًا عنه، وإنما جاءت مساندته لمصر في إطار شعور قومي وإنساني راسخ، وإيمان بأن التضامن العربي ضرورة في مواجهة الاحتلال.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للموقف السوداني؛ إذ لم تكن الأخوة بين الشعبين مجرد عبارات تُقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى