مقالات الظهيرة

الجبايات تخنق الإنتاج والمواطن ينتظر الإنقاذ الاقتصادي…. من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد الإنتاج: مسار تصحيح ضروري للسودان

بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي

المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

المأزق الحالي ليس أزمة رسوم معزولة، بل أزمة نموذج تنموي قائم على الاستخراج بدلاً من الإنتاج. الخروج يتطلب تحولاً في فلسفة السياسة المالية عبر توصيات عملية تعيد توجيه الموارد نحو توسيع القاعدة الإنتاجية، وحماية رأس المال البشري، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

حين تتحول العلاقة بين الدولة والمواطن إلى علاقة تحصيل مستمر دون مقابل ملموس في الخدمة والجودة، فإن العقد الاجتماعي يدخل مرحلة من التآكل الصامت. ما يحدث في السودان اليوم يتجاوز مسألة تسعير الخدمات الحكومية ليصل إلى جوهر النموذج الاقتصادي المتبع، نموذج قام على الاعتماد على الجباية كمصدر رئيسي للإيراد العام، فأضعف الإنتاج، وأرهق الأسرة، وأعاد تشكيل سلوك الوكلاء الاقتصاديين نحو التحايل والهروب من الرسمية. القراءة المتعمقة لعبء الجبايات من داخل السودان وخارجه تكشف أن ما نحن أمامه ليس أزمة رسوم معزولة، بل أزمة حوكمة مالية، وأزمة رؤية تنموية، وأزمة ثقة بين الدولة والمجتمع.

 

منذ سنوات والسودان يعاني من انكماش القاعدة الإنتاجية وتراجع دور الصناعة والزراعة ذات القيمة المضافة، وفي المقابل توسعت دوائر الرسوم والجبايات على مستوى المركز والولايات والمحليات. النتيجة المنطقية لهذا الاختلال هي انتقال العبء كاملاً إلى المستهلك النهائي، فكل رسم على النقل، وكل جباية على مدخل إنتاج.

وكل رسم على معاملة إدارية، يضاف إلى التكلفة الحدية للسلعة والخدمة، ثم يتحول إلى زيادة في أسعار السوق. في اقتصاد يعاني من ضعف العرض المحلي واعتماد كبير على الواردات، فإن الطلب غير مرن في الأجل القصير، ولذلك فإن انتقال العبء يكون شبه كامل.

ما تشير إليه النظرة الاقتصادية هو أن أغلب المواطنين يربطون بين كثرة الرسوم وارتفاع تكلفة المعيشة، وأن نسبة مقاربة ترى أن هذه الرسوم فاقت القدرة الاقتصادية للمواطن في ظل الظروف الراهنة. هذه ليست آراء عابرة، بل تعبير عن تجربة يومية متكررة يلمسها الناس في التعليم والصحة والنقل والمعاملات الحكومية.

 

الأكثر خطورة هو أن هذا النموذج يقوض رأس المال البشري. حين تصبح رسوم التعليم والامتحانات والشهادات مرتفعة إلى الحد الذي يراه المواطن عبئاً إضافياً، فإننا أمام استبعاد واسع لشرائح من الشباب من مسار التمكين المعرفي.

وحين تصل نسبة من يرون أن رسوم العلاج والفحوصات تعيق الوصول للخدمة الصحية إلى ما فوق التسعين في المئة، فإننا أمام تآكل في الصحة العامة، وهو ما ينعكس لاحقاً على إنتاجية القوى العاملة وقدرتها التنافسية.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن أقل من واحد في المئة يرى أن مجانية العلاج ما تزال قائمة فعلياً، فإن الصورة تكتمل حول تراجع دور الدولة في توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.

 

في مجال النقل واللوجستيات تتضح الصورة أكثر. إجماع شبه كامل على أن رسوم نقل البضائع عبر الطرق القومية تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع، وثلثا المشاركين يحددون المواطن كمتلق نهائي لهذا العبء. الآثار الجانبية لهذا الوضع لا تتوقف عند غلاء الأسعار، بل تمتد إلى تشجيع التهريب.

وزيادة تكلفة الترحيل، وإضعاف حركة التجارة الرسمية، وظهور ندرة في بعض السلع. هذا يعني أن النظام الجبائي الحالي يعاقب الملتزم ويثيب المتحايل، فيتسع الاقتصاد غير الرسمي وتضيق القاعدة الضريبية، فتلجأ الدولة إلى مزيد من الجباية على نفس القاعدة الضيقة، وتدخل في دائرة مفرغة.

 

على مستوى الإدارة المحلية تتكرر نفس المشكلة. الأغلبية الساحقة تصف رسوم المحليات بأنها مرتفعة جداً، وترى أنها تسهم مباشرة في زيادة أسعار السلع والخدمات داخل الأسواق. غياب التنسيق بين المركز والولايات والمحليات أدى إلى تراكم جبائي غير مرئي يرفع التكلفة الكلية للنشاط الاقتصادي دون أن يقابله تحسن في الخدمة.

وفي الوقت نفسه، ترى الغالبية العظمى من السودانيين أن الرسوم تُفرض دون دراسات شاملة وكافية، وأنها لا تتناسب مع القدرة الاقتصادية للمواطن، وأن السبب الرئيسي وراء ذلك هو الاعتماد على الجبايات بدلاً من الإنتاج، يليه سوء الإدارة الاقتصادية.

 

هذه المؤشرات مجتمعة ترسم نموذجاً اقتصادياً يقوم على الاستخراج بدلاً من الإنتاج، وعلى الريع بدلاً من القيمة المضافة، وعلى المعالجات قصيرة الأجل بدلاً من التخطيط الاستراتيجي. وهو نموذج له كلفة مزدوجة: كلفة اقتصادية مباشرة تتمثل في التضخم وتشوه الحوافز، وكلفة اجتماعية غير مباشرة تتمثل في تراجع الثقة، وتآكل الطبقة الوسطى، وزيادة الهشاشة لدى الفئات الأضعف.

 

الخروج من هذا المأزق يتطلب تحولاً في فلسفة السياسة المالية، انتقالاً من منطق الاستخراج إلى منطق التمكين. أي رسم حكومي يجب أن يخضع لثلاثة اختبارات صارمة قبل إقراره. الاختبار الأول هو اختبار الأثر على الإنتاج، بمعنى هل يشجع هذا الرسم على توسيع النشاط الاقتصادي أم يخنقه. الاختبار الثاني هو اختبار العدالة، أي هل يراعي القدرة على الدفع ويحمي الفئات الهشة.

الاختبار الثالث هو اختبار الشفافية والمساءلة، أي هل يعرف المواطن مقابل ماذا يدفع، وهل هناك آلية لقياس جودة الخدمة مقابل ما يدفع. غياب هذه الاختبارات هو ما أوصلنا إلى الوضع الراهن.

 

بناءً على هذا التشخيص، فإن المسار البديل يقوم على أربعة أعمدة متكاملة. العمود الأول هو توسيع القاعدة الإنتاجية، لأن أي إصلاح جبائي لا يصحبه نمو في الصناعة والزراعة والخدمات المنتجة سيبقى ترقيعاً مؤقتاً.

المطلوب سياسات واضحة لتشجيع الإحلال محل الواردات في السلع الاستراتيجية، وتوطين مدخلات الإنتاج، ودعم سلاسل القيمة المحلية. كل جنيه يستثمر في الإنتاج يولد وعاءً ضريبياً جديداً ومستداماً، ويقلل الحاجة إلى اللجوء إلى الجباية العشوائية.

 

العمود الثاني هو إعادة هندسة النظام الجبائي نفسه. التبسيط والتوحيد والرقمنة هي مفاتيح هذا الإصلاح. تعدد الرسوم واختلاف الجهات المحصلة وغياب الربط الإلكتروني يخلق بيئة خصبة للفساد والإهدار. المطلوب قانون اتحادي موحد لرسوم المحليات، ونظام دفع إلكتروني موحد، وسقف تشريعي لإجمالي العبء الجبائي على أي نشاط اقتصادي، وإلغاء الرسوم ذات العائد المنخفض والتكلفة الإدارية العالية.

 

العمود الثالث هو حماية رأس المال البشري. لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية مع رسوم تعليم وصحة تطرد الأسر من المدارس والمستشفيات. المطلوب نظام دعم موجه يراعي القدرة على الدفع، وآليات تمويل صحي مشترك، وربط أي زيادة في الرسوم بزيادة مقابلة في جودة الخدمة ومؤشرات رضا المستفيد. الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي يضاعف العائد على المدى الطويل.

 

العمود الرابع هو بناء الثقة المؤسية. أكثر من تسعة أعشار المشاركين لا يثقون في آليات فرض الرسوم.

استعادة الثقة تتطلب شفافية كاملة في نشر بنود الرسوم، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في مراجعتها، وربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وإنشاء آليات تظلم فعالة وسريعة. الثقة هي العملة الصعبة التي بدونها لا تنجح أي سياسة مالية.

 

انطلاقاً من هذه الأعمدة، يمكن صياغة حزمة توصيات استراتيجية استشرافية متكاملة تتجاوز المعالجات الجزئية إلى معالجة جذرية للنموذج.

التوصية الأولى تتمثل في تبني استراتيجية وطنية لتوسيع القاعدة الإنتاجية تركز على الزراعة التعاقدية والصناعات التحويلية ذات الميزة النسبية، لأن توسيع الإنتاج هو الطريق الوحيد لتوسيع الوعاء الضريبي دون زيادة العبء على المواطن.

التوصية الثانية هي إنشاء صندوق تمويل تحول هيكلي يمول مشاريع الإحلال محل الواردات في قطاعات الدواء والغذاء ومدخلات الإنتاج، بحيث تتحول الموارد من تمويل الاستهلاك إلى تمويل القدرة الإنتاجية.

التوصية الثالثة هي إعادة تصميم النظام الضريبي ليقوم على الضريبة على القيمة المضافة بدلاً من الرسوم المتعددة على المعاملات، لأن ذلك يقلل التشوهات ويزيد الكفاءة.

التوصية الرابعة هي وضع سقف تشريعي لإجمالي العبء الجبائي على أي نشاط اقتصادي بحيث لا يتجاوز نسبة محددة من القيمة المضافة، لمنع التراكم الجبائي المدمر. التوصية الخامسة هي إلغاء الرسوم ذات العائد المنخفض والتكلفة الإدارية العالية، والاحتفاظ بالرسوم ذات العائد الصافي المرتفع فقط، لأن كل رسم يجب أن يبرر وجوده اقتصادياً.

 

في مجال حماية رأس المال البشري، التوصية السادسة هي تطبيق نظام دعم تعليمي موجه يستثني الفئات الهشة من رسوم التعليم الأساسي والثانوي، لضمان عدم خروج جيل كامل من دائرة التعلم. التوصية السابعة هي إنشاء آلية تمويل صحي مشترك تضمن الوصول للخدمات الأساسية بسعر رمزي أو مجاني للفئات الأقل دخلاً، لأن الصحة حق وليس سلعة خاضعة للقدرة الشرائية وحدها.

التوصية الثامنة هي ربط أي زيادة في رسوم التعليم والصحة بزيادة مقابلة في جودة الخدمة ومؤشرات رضا المستفيد، حتى لا تتحول الزيادة إلى تحصيل بلا مقابل. التوصية التاسعة هي إطلاق برنامج قسائم صحية وتعليمية ممولة من صندوق التضامن الوطني، لاستهداف الفئات الأكثر احتياجاً بدقة. التوصية العاشرة هي حظر الرسوم التعسفية على الشهادات والامتحانات الأساسية وضبطها بقانون اتحادي موحد، لأن التعليم حق لا يجب أن يخضع للاجتهادات المحلية المتفاوتة.

 

في مجال النقل واللوجستيات، التوصية الحادية عشرة هي توحيد رسوم الطرق القومية تحت مظلة هيئة واحدة وتحويلها إلى رسوم خدمة مقابل صيانة الطريق، حتى يشعر المواطن والتاجر أن ما يدفعه يعود عليه في شكل بنية تحتية أفضل.

التوصية الثانية عشرة هي ربط رسوم النقل بمؤشر المسافة والحمولة والجودة، وإلغاء الرسوم العشوائية متعددة نقاط التحصيل، لأن التجزئة الحالية ترفع التكلفة دون مبرر.

التوصية الثالثة عشرة هي إنشاء نظام إلكتروني موحد لدفع رسوم النقل يقلل الاحتكاك ويحد من الفساد، لأن الرقمنة هي أقصر طريق إلى الشفافية. التوصية الرابعة عشرة هي إعفاء مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي من رسوم النقل لخفض تكلفة الإنتاج المحلي وزيادة تنافسيته. التوصية الخامسة عشرة هي إنشاء ممرات لوجستية خضراء للسلع الاستراتيجية بأسعار تفضيلية، لضمان انسياب السلع الأساسية دون اختناقات سعرية.

 

فيما يتعلق بجبايات المحليات والإدارة المحلية، التوصية السادسة عشرة هي إصدار قانون موحد لرسوم المحليات يمنع الازدواجية ويحدد أنواع الرسوم المسموح بها، لأن الفوضى الحالية هي أحد مصادر الاستياء الشعبي. التوصية السابعة عشرة هي ربط عائد رسوم المحليات بخدمات محددة قابلة للقياس مثل النظافة والإضاءة والأسواق، حتى يرى المواطن أثر ما يدفع. التوصية الثامنة عشرة هي إنشاء منصة شفافية محلية تنشر كل رسوم المحليات وعوائدها ومصروفاتها، لأن الشفافية هي مضاد الفساد الأول.

التوصية التاسعة عشرة هي تمكين المجالس التشريعية المحلية من مراجعة وإقرار أي رسوم جديدة بعد دراسة أثر، حتى لا تفرض القرارات من فوق دون تقدير للواقع. التوصية العشرون هي تقديم حوافز للمحليات التي ترفع إيراداتها عبر تنشيط الاقتصاد المحلي بدلاً من زيادة الرسوم، لتشجيع النمو بدلاً من الاستخراج.

 

على صعيد الحوكمة والشفافية والمساءلة، التوصية الحادية والعشرون هي إلزام كل جهة حكومية بنشر قائمة الرسوم وأس احتسابها وتقرير الأثر الاقتصادي والاجتماعي، لأن ما لا يقاس لا يدار. التوصية الثانية والعشرون هي إنشاء وحدة مستقلة لتقييم الأثر التنظيمي والجبائي داخل وزارة المالية، لتكون حارساً فنياً ضد القرارات العشوائية.

التوصية الثالثة والعشرون هي تفعيل آليات الشكوى والتظلم الإلكتروني ضد الرسوم غير القانونية، لأن المواطن يجب أن يجد من يسمعه ويصحح الخطأ بسرعة. التوصية الرابعة والعشرون هي إشراك اتحاد أصحاب العمل والغرف التجارية في مراجعة السياسة الجبائية سنوياً، لأن من يدفع يجب أن يشارك في صنع القرار. التوصية الخامسة والعشرون هي ربط تقييم أداء المسؤول الحكومي بمؤشر رضا المواطنين عن جودة الخدمة مقابل الرسوم المدفوعة، لربط الحافز بالنتائج.

 

في مسار التحول الرقمي وترشيد التحصيل، التوصية السادسة والعشرون هي تعميم الدفع الإلكتروني لجميع الرسوم الحكومية وإلغاء التحصيل النقدي المباشر، لأن النقد هو بيئة الفساد.

التوصية السابعة والعشرون هي بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمواطنين والأنشطة الاقتصادية لتجنب الازدواجية، لأن تعدد السجلات يضاعف العبء. التوصية الثامنة والعشرون هي استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط التحصيل وكشف التسرب والفساد، لأن التقنية تمنحنا القدرة على الرؤية التي لم تكن متاحة من قبل. التوصية التاسعة والعشرون هي إطلاق تطبيق موحد لمعرفة كل الرسوم المستحقة على المواطن والنشاط الاقتصادي، حتى يختفي الغموض ويحل محله الوضوح. التوصية الثلاثون هي إنشاء نظام رد آلي للرسوم المدفوعة بالخطأ خلال مدة قصيرة محددة، لأن العدالة لا تكتمل إلا باسترداد الحق.

 

أما في مسار الحوافز والبدائل الاستثمارية، التوصية الحادية والثلاثون هي تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تعيد استثمار أرباحها في التوسع الإنتاجي وتوظيف العمالة الوطنية، لأن الاستثمار الداخلي هو المحرك الحقي للتشغيل. التوصية الثانية والثلاثون هي إنشاء مناطق اقتصادية خاصة بجباية موحدة ومبسطة لجذب الاستثمار في الصناعات الاستراتيجية، لأن البيئة التنظيمية الواضحة هي المغناطيس الحقي لرأس المال. التوصية الثالثة والثلاثون هي إطلاق شراكات بين القطاعين العام والخاص لإدارة الخدمات مقابل رسوم خدمة واضحة ومحدودة زمنياً.

لأن الكفاءة الإدارية تتطلب فصل دور المنظم عن دور المشغل. التوصية الرابعة والثلاثون والأخيرة هي توجيه جزء من عائدات الموارد الطبيعية لصندوق سيادي يعيد استثمارها في البنية التحتية الإنتاجية بدلاً من الإنفاق الجاري، لأن الثروة يجب أن تتحول إلى أصول منتجة للأجيال القادمة.

 

هذه الحزمة لا يمكن أن تنجح بمعزل عن إرادة سياسية واضحة تضع هدف السيادة الاقتصادية فوق الحسابات قصيرة الأجل. النجاح يتطلب قياساً دورياً للأثر، ومراجعة مستمرة، واستعداداً لتعديل المسار إذا أظهرت البيانات أن الإجراء لم يحقق النتيجة المرجوة. النجاح يتطلب أيضاً خطاباً عاماً جديداً يعيد تعريف دور الدولة، فالدولة ليست جامعة رسوم، بل هي منظم وممكن ومحفز للإنتاج.

 

الخلاصة أن السودان يقف عند مفترق طرق. الطريق الأول هو الاستمرار في نموذج الجباية الموسعة، وهو طريق يؤدي إلى مزيد من التضخم، ومزيد من الهشاشة، ومزيد من تراجع الثقة، وفي النهاية إلى انكماش اقتصادي مزمن.

الطريق الثاني هو التحول نحو اقتصاد الإنتاج والسيادة، وهو طريق أصعب على المدى القصير لكنه وحده القادر على توليد نمو مستدام، وعدالة اجتماعية، واستقرار مؤسسي. البيانات الميدانية التي بين أيدينا لا تطلب أكثر من أن نستمع لصوت الواقع، وأن نترجم هذا الصوت إلى سياسة اقتصادية واضحة، متماسكة، ومنحازة للإنسان المنتج.

 

الرسالة الأساسية بسيطة ولكنها حاسمة. الإيراد الحقيقى لا يأتي من خصم مباشر من جيب المواطن، بل يأتي من مصنع يعمل بطاقته الكاملة، ومن مزرعة تنتج وتصدر، ومن جامعة تخرج كفاءات قادرة على المنافسة، ومن مستشفى يعالج ويعيد القوى العاملة إلى الإنتاج. أي إيراد يأتي خلاف ذلك هو إيراد مؤجل الكلفة، وستدفعه الدولة لاحقاً في شكل تراجع نمو، وهجرة كفاءات، وتفك اجتماعي.

 

إذا أردنا أن نكتب فصلاً جديداً في الاقتصاد السوداني، فعلينا أن نبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، من علاقة تحصيل إلى علاقة شراكة في الإنتاج.

وعندها فقط ستتحول الرسوم من عبء يثقل الكاهل إلى مقابل خدمة حقيقية، ومن مصدر توتر اجتماعي إلى أداة تمكين اقتصادي. هذه هي معركة السيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وهي معركة لا تربح بالشعارات، بل بالقرارات الصعبة والسياسات المتماسكة والإدارة الرشيدة التي تضع الإنسان المنتج في قلب المعادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى