الاغتيال الاقتصادي للأمم.. تشريعٌ لخطاب الكراهية…. قراءة حول كتاب جون بيركنز!!

الظهيرة – د. عبدالوهاب عبدالفضيل أحمد
باحث أكاديمي
لا تُهدم الأمم دائماً بالمدافع، ولا تُستنزف المجتمعات دائماً عبر الحروب المباشرة؛ فقد يبدأ الانهيار من الاقتصاد، حين يصبح الفقر سياسة، والتجويع وسيلة ضغط، وتعطيل الإنتاج عقاباً، وتدمير المؤسسات الاقتصادية جزءاً من معركة تستهدف الإنسان قبل الحجر.
إن الاغتيال الاقتصادي للأمم لا يعني فقط تدمير المصانع والأسواق والبنية التحتية، بل يعني إضعاف قدرة المجتمع على إنتاج حياته الطبيعية، وتجفيف مصادر الرزق، وتوسيع دائرة الفقر والبطالة، وإضعاف الطبقة الوسطى، وتحويل الاحتياجات الأساسية إلى أزمات يومية.
وهنا تظهر العلاقة الخطيرة بين الاقتصاد وخطاب الكراهية.
فالإنسان الذي يفقد عمله، ويعجز عن توفير الغذاء والدواء والتعليم لأسرته، ويشعر بأن مستقبله قد سُرق منه، يصبح أكثر عرضة للإحباط والغضب والبحث عن طرف يحمّله مسؤولية معاناته.
وفي بيئة كهذه، يمكن أن يتحول الألم الاقتصادي إلى غضب اجتماعي، والغضب إلى اتهامات، والاتهامات إلى تعميمات، والتعميمات إلى كراهية.
وهكذا يصبح الاقتصاد المنهار وقوداً لخطاب الكراهية، خصوصاً عندما تتولى منصات الإعلام التقليدي والرقمي إعادة إنتاج الأزمة بلغة تحريضية، أو عندما تُستغل معاناة الناس لتقسيم المجتمع إلى “نحن” و”هم”.
الأخطر من ذلك أن الكراهية قد تصبح بديلاً عن التفكير العقلاني؛ فيُختزل الفشل الاقتصادي في جماعة أو منطقة أو قبيلة أو فئة اجتماعية، بدلاً من تحليل أسبابه الحقيقية، السياسية والمؤسسية والإدارية والاقتصادية.
وهنا يتحول الخطاب من نقد السياسات إلى شيطنة البشر.
إن مواجهة الاغتيال الاقتصادي لا تكون بالاقتصاد وحده، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على حماية الإنسان، واستعادة الإنتاج، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتجفيف منابع التضليل والتحريض، وترسيخ إعلام مسؤول يشرح الأزمة بدلاً من أن يستثمر فيها.
فالأمم لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمصانع والأسواق، وإنما تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
وفي السودان، كما في غيره من المجتمعات التي أنهكتها الأزمات والحروب، فإن معركة المستقبل ليست فقط معركة استعادة ما دُمّر، وإنما معركة منع تحول آثار التدمير الاقتصادي إلى أحقاد اجتماعية طويلة الأمد.
فالاقتصاد حين يُغتال، قد يُولد الغضب؛ والغضب حين يُستغل إعلامياً، قد يولد الكراهية؛ والكراهية حين تتحول إلى ثقافة، تهدد وحدة المجتمع ومستقبل الدولة.
لذلك فإن حماية الاقتصاد ليست مجرد قضية تنمية، بل هي أيضاً قضية أمن اجتماعي وسلام مجتمعي.
والرسالة الأهم:
لا تبنِ دولةً مدمرةً اقتصادياً بخطابٍ يدمّر الإنسان معنوياً؛ فإعادة إعمار الأوطان تبدأ بإعادة إعمار الثقة، وصيانة كرامة الإنسان، وتجريم التحريض والكراهية، وفتح الطريق أمام الأمل والعمل والإنتاج.
الأمم قد تتعافى من آثار الحرب، لكنها تحتاج زمناً أطول للتعافي من الكراهية.
whba938@gmail.com



