مقالات الظهيرة

اتركوا الإعيسر يعمل.. ويفعل ما عجز عنه الآخرون!!

الظهيرة – علاء الدين محمد أبكر:

إن أسوأ ما ابتُليت به بلادنا ليس الحرب وحدها، بل تلك الفئة التي أدمنت صناعة الفشل وإحباط كل ناجح. عندنا مرض اجتماعي مزمن اسمه “عدو النجاح”، ممزوج بحقد دفين، لا يرى في أي إنجاز إلا فرصة للهدم، ولا يرى في أي خطوة إلى الأمام إلا مشروعًا يجب إجهاضه. وشتان بين النقد البنّاء الذي يأتي بمحبة ويقدم المشورة والنصح ويصحح المسار، وبين الاستهداف الهدام الذي يتعمد تشويه الشخصيات واغتيالها معنويًا.

 

وما أكتبه اليوم ليس دفاعًا عن شخص السيد خالد الإعيسر، وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، فالرجل لا يحتاج إلى من يدافع عنه، بل أكتبه احتكامًا إلى صحيفته العملية، وإلى لغة الأرقام والوقائع التي تتحدث وحدها.

 

لقد جاء الإعيسر إلى وزارة كانت شبه ميتة. تسلّم إعلامًا مشتتًا، ووكالة أنباء بلا خبر، وتلفزيونًا قوميًا بلا إرسال، وقنوات نائمة، وآثارًا منهوبة، وسياحة متوقفة بسبب حرب وجودية تهدد كيان الدولة.

في مثل هذه الظروف كان بمقدور أي وزير أن يتحجج بالظروف ويجلس في مكتبه ينتظر المرتب، لكن الرجل اختار أن يعمل.

 

وخالد الإعيسر لم يجامل يومًا، والتاريخ يشهد له بذلك عندما قدم استقالته على الهواء مباشرة حين كان يتولى إدارة قناة النيلين الرياضية، رافضًا التدخل والضغوط ومتمسكًا بمهنيته، ولو كان يبحث عن منصب أو مكسب لما فعل ذلك.

غادر البلاد وكان يمكنه أن يعيش في رغد من العيش في عاصمة الضباب لندن، حيث الاستقرار والفرص المفتوحة، لكنه عندما لُبّي نداء الوطن وكُلّف بمهام إدارة الوزارة، عاد في أصعب الظروف وأحلكها، والناس تنزح والرصاص يلعلع، عاد ليحمل أمانة الإعلام في زمن الحرب، ونجح ولله الحمد حيث فشل كثيرون في مجرد البقاء.

 

وخلال أشهر قليلة رأينا ما لم نره لسنوات. رأينا وكالة السودان للأنباء تعود إلى واجهة الحدث، تنشر الخبر الرسمي بسرعة ومصداقية، وتقطع الطريق على الشائعات التي كانت تُدار من غرف مظلمة في الخارج. ورأينا التلفزيون القومي يستعيد شيئًا من وقاره القديم، ذلك الجهاز الذي ظل لعقود مصدر ثقة كل السودانيين. مهما ظهرت من وسائل تواصل حديثة، ومهما انتشرت الصفحات والقنوات، يبقى السوداني في الداخل وفي المهجر حين يقع الحدث الكبير يسارع إلى فتح التلفزيون القومي أو الراديو القومي ليتأكد: هل الخبر صحيح؟ لأن الجميع يعلم أن معظم ما يُنشر في الوسائط يفتقر إلى المهنية والمصداقية ويغلب عليه التضليل المدفوع.

 

واليوم، حين تحرك مؤشر الراديو في الصباح أو في أي وقت من اليوم، تجد معظم الإذاعات القومية والمتخصصة تعمل على موجة الـ FM تجلجل بكل قوة وشموخ، من الإذاعة القومية إلى الإذاعات المتخصصة وإذاعات الولايات. صوت السودان الذي انقطع لشهور عاد يصدح، وبرامجه عادت تصل إلى البيوت والأسواق والعربات. وكل ذلك يُحسب لجهود وزارة الثقافة والإعلام التي يتولى أمرها هذا الرجل الذي يُهاجم بلا مبرر. هذا وحده إنجاز كان يظنه كثيرون مستحيلًا في زمن الحرب، أن تعيد إذاعة إلى العمل بعد أن دُمّرت محطاتها ونُهبت أجهزتها.

 

كما أعاد الوزير الروح إلى قناة الخرطوم الدولية التي أوشكت أن تندثر، وبدأ خطة طموحة لتحديث الاستوديوهات وأجهزة البث والمونتاج، وهي خطة تحتاج إلى سنوات ودعم ضخم، لكن بدايتها أهم من تأخرها.

 

ولم يقف الأمر عند الداخل، فكانت زيارته الأخيرة إلى جمهورية مصر العربية خطوة محسوبة، التقى فيها بقيادات الإعلام المصري ومدينة الإنتاج الإعلامي واتحاد الإذاعة والتلفزيون، لبحث الاستفادة من خبراتهم في التدريب والتأهيل والتحديث التقني، وهذا هو الفكر العملي الذي نحتاجه، لا خُطب الإنشاء.

 

وفوق هذا كله، هناك ملف لا يتحدث عنه كثيرون، لكنه يُحسب للإعيسر في سجل التاريخ، وهو ملف الآثار.

في زحمة الحرب ونزوح الملايين، نُهبت متاحفنا وسُرقت آثارنا وهُرّبت عبر الحدود لتُباع في أسواق الظلام. تحركت الوزارة وفتحت بلاغات دولية وتابعت عبر اليونسكو والإنتربول، واستطاعت استرداد قطع أثرية نادرة كانت قد خرجت من البلاد، وهذا واجب وطني لو تعلمون عظيم، لأن من يسرق أثرك يسرق هويتك.

 

إن السودان اليوم لا يحتمل المزايدات الصغيرة. نحن في حرب مصيرية تتطلب منا جميعًا أن نرفع شعار “مصلحة الوطن فوق كل مصلحة”. والإعلام في هذه الحرب هو نصف المعركة، بل أكثر. المدفع يحمي الأرض، لكن الإعلام يحمي الوعي، وإذا سقط الوعي سقطت الأرض ولو امتلكنا ألف مدفع.

 

وهنا نسأل سؤالًا مشروعًا: هل هذا الهجوم على الإعيسر بسبب توليه الوزارة أم هو هجوم شخصي؟ لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالوزارة وحدها، فحتى لو أتى غيره فلن يتوقف الهجوم الأهوج الذي هو بعيد كل البعد عن النقد البنّاء. لأن المشكلة ليست في الشخص الجالس على الكرسي، بل في عقلية لا تريد لأي كرسي أن ينجح. لو جاء غيره لبدأت نفس الأسطوانة بنفس الأدوات.

 

المؤسف أننا نرى وزراء يعملون في صمت وإنجازهم يتحدث عنهم، ولا يجدون إلا الإشادة.

فلماذا نستكثر على الإعيسر أن يعمل؟ وزارة الطاقة حين أعادت الكهرباء إلى كل أحياء العاصمة بعد أن دمرت الميليشيا 90% من الشبكة، صفّق لها الناس لأن الإنجاز كان حيًا يمشي في الشارع. ووزارة الصحة حين انتشرت حمى الضنك، نزلت فِرَقها إلى البيوت بيتًا بيتًا تحمل اللقاحات وتُعقم المياه، فشعر بها المواطن. ووزارة الداخلية حين أعادت افتتاح أقسام الشرطة وارتكزت دورياتها في الأحياء، عاد الإحساس بالأمان. كل هؤلاء يعملون، وإنجازاتهم تشهد لهم. فلماذا يُراد لوزارة الثقافة والإعلام وحدها أن تفشل؟

 

إن ما يحدث مع الإعيسر يذكرنا بقصة قديمة فيها عبرة كبيرة. كان في عهد هارون الرشيد قاضٍ اسمه عافية بن يزيد، كان عادلًا زاهدًا، لكنه كان رحيمًا لينًا في أحكامه، لا يتعجل، ويبحث عن أي شبهة ليخفف بها عن الناس. فحسده بعض الناس وذهبوا إلى الرشيد وقالوا إن قاضيك متساهل وضعيف لا يصلح للقضاء. فاستدعاه الرشيد إلى مجلسه. وبينما المجلس عامر بالقادة، عطس الرشيد ولم يحمد الله. وانتظر أن يشمّته القاضي، لكن القاضي سكت. فغضب الرشيد وقال: لماذا لم تشمّتني؟ فقال له القاضي بكل ثبات: لأنك لم تحمد الله، والسنة تقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمّتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمّتوه. فذهل الرشيد وقال لمن وشوا به: هذا رجل لم يجاملني أنا أمير المؤمنين في كلمة من السنة، فكيف يجامل الناس في أحكام الله؟ رُدّوه إلى قضائه فهو أصلح من ولي القضاء.

 

وهكذا فإن خالد الإعيسر هو امتداد لذلك المبدأ، رجل لا يجامل ولا يبحث عن الإعجابات، قال كلمة الحق على الهواء وتحمل ثمنها، وترك المنصب حين كان التمسك به مصلحة، وعاد إلى المنصب حين كان تركه خيانة للوطن. دعوا الرجل يعمل، فإن أخطأ فقوّموه بالنصح، وإن أصاب فأعينوه، فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المعاول التي تهدم، بل يحتاج إلى سواعد تبني، وإلى من يكمل ما عجز عنه الآخرون.

 

علاء الدين محمد أبكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى