د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… سعر الصرف… الرهان على ثبات السياسات!!

لا يمكن لأي اقتصاد هش، مثل الاقتصاد السوداني، أن يسيطر على سعر الصرف بقرارات إدارية أو أمنيات، ما دام الصادر لا يغطي تكلفة الوارد.
هذه من أبجديات الاقتصاد: من ينفق أكثر من دخله، يغرق أولاً في دوامة الديون، ثم يجد نفسه أمام الإفلاس. والدولة ليست استثناءً من هذه القاعدة.
ومن هنا تبدأ روشتة العلاج الحقيقية: الصبر على العلاج المر، والمكاشفة الصريحة مع الشعب، والتقشف الحكومي، حتى يشعر المواطن أن المسؤولين يشاركونه الأزمة ولا يطلبون منه وحده دفع ثمنها.
وفي عام الرمادة، جاع خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى قرقرت بطنه من الجوع، وهو الذي كانت مفاتيح بيت المال بين يديه. لم يكن ذلك مشهدًا تاريخيًا عابرًا، وإنما درسًا في معنى المسؤولية حين تتقدم الدولة على رفاه المسؤول.
والرهان اليوم يجب أن يكون على السياسات الثابتة لا القرارات المتقلبة، وعلى الإنتاج لا المسكنات، وعلى الصادر لا الاستدانة.
الرهان على تعظيم الصادرات، وتوفير الحوافز للمصدرين، والحرص على عودة حصائل الصادر إلى الجهاز المصرفي، حتى تتحول مواردنا من أرقام في الخارج إلى قوة حقيقية تدعم الاقتصاد وسعر الصرف.
والرهان كذلك على إحكام الإدارة والرقابة، حتى لا نستمر في سماع أخبار التهريب والوراقة وتصدير الخام، بينما نترك القيمة المضافة وفرص العمل والعملات الأجنبية لغيرنا.
والرهان على المضي بلا تردد في برنامج الطاقات البديلة، خصوصًا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتوسع فيها في القطاع الزراعي، لتقليل فاتورة الوقود والطاقة، وتحويل الشمس والرياح من موارد طبيعية صامتة إلى أدوات للإنتاج.
والرهان أيضًا على خطط واضحة للاكتفاء الذاتي، بجدول زمني محدد، وأهداف قابلة للقياس، ومتابعة لصيقة، ومحاسبة على النتائج.
وهنا تحديدًا يجب ألا تكتفي الدولة بإعلان الخطط، بل عليها أن تضع أدوات قياس واضحة ومعلنة: كم ارتفع الصادر؟ كم عادت من حصائله عبر الجهاز المصرفي؟ كم انخفضت فاتورة الوارد؟ كم زادت المساحات المزروعة والإنتاجية؟ كم وفرنا من الوقود باستخدام الطاقة الشمسية والرياح؟ وما حجم العجز في الميزان التجاري كل عام؟
هذه الأرقام يجب أن تصبح لوحة متابعة وطنية، تُراجع شهريًا وربع سنويًا، حتى يعرف المسؤول أين وصل، ويعرف المواطن ماذا تحقق، ويعرف الجميع أين حدث التقصير ومن المسؤول عنه.
قد يتفرج الناس في البداية، وقد يتردد رجال الأعمال وأصحاب الأفكار والاستثمارات في انتظار رؤية النتائج.
ولكن النجاح معدٍ.
وحين يرون مشروعًا ينجح، ومصنعًا يعمل، ومزرعة تنتج، وصادرًا يتزايد، وطاقة رخيصة تحرك عجلة الإنتاج، ستبدأ قطاعات أكبر في الدخول والمشاركة.
المطلوب إذن ليس قرارًا سحريًا يخفض سعر الدولار بين ليلة وضحاها، وإنما سياسة اقتصادية مستقرة تستمر حتى تؤتي ثمارها، ومؤشرات أداء تقيس النجاح، ومحاسبة تمنع العودة إلى نقطة الصفر.
من سار على الدرب وصل.
والمليون دولار التي ننجح في زيادتها اليوم قد تصبح عشرة ملايين غدًا، ثم مليارًا بعد سنوات، إذا أحسنا الإدارة ووسعنا الإنتاج وثبتنا السياسات.
أما الدولار الذي يعلو ويطير اليوم، فليس قدرًا أبديًا.
فالدولار لا يُهزم بالقرار الإداري، ولا بالتصريحات، ولا بمطاردة السوق السوداء وحدها…
الدولار يُهزم عندما يصبح السودان بلدًا يُنتج أكثر مما يستهلك، ويُصدّر أكثر مما يستورد، ويضيف قيمة إلى موارده بدل أن يصدرها خامًا، ويستعيد كل دولار من حصائل صادراته.
وعندها فقط… لن نكون في انتظار أن ينخفض الدولار، بل سنكون قد بنينا اقتصادًا يجعل انخفاضه نتيجة طبيعية للعمل والإنتاج.



