أضلاع المشروع الوطني الثلاثة… لماذا لا يكفي إنهاء الحرب وحده لبناء الدولة؟

قراءات استراتيجية استشرافية
بقلم : الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز السودان أولاً للدراسات والتخطيط الاستراتيجي
سبتمبر 2026م
_______________
في أزمات الدول الكبرى، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف نوقف الحرب؟
لكن التجارب تعلمنا أن إسكات البنادق، على أهميته، لا يعني أن الدولة أصبحت آمنة. ففي اليوم التالي للسلام تظهر أسئلة السلطة والشرعية والاقتصاد وإعادة الإعمار، ثم يبرز السؤال الأكبر: إلى أين نريد أن نأخذ الدولة بعد تجاوز الأزمة؟
من هنا أقرأ المشروع الذي تعمل عليه السودان أولاً من زاوية مختلفة.
فقد أصبح أمامنا ثلاثة أضلاع مترابطة: خطة المسارات السبعة لإنهاء الحرب، ومقترح دستور الركيزة الانتقالي، وخارطة طريق السودان أولاً.
ولكل ضلع سؤال محدد:
كيف نخرج من الحرب؟
كيف ننظم السلطة أثناء الانتقال؟
وأي دولة نريد أن نبني بعده؟
■ المشكلة تبدأ عندما يغيب أحد الأضلاع
يمكن أن تنجح تسوية ما في وقف القتال، ثم تدخل البلاد بعد أشهر في صراع جديد حول من يحكم وكيف تتوزع السلطة.
ويمكن أن تنجح القوى السياسية في إنشاء سلطة انتقالية، ثم تقضي سنواتها في إدارة الأزمات اليومية لأنها لا تمتلك تصوراً واضحاً للدولة التي ينبغي أن تتركها وراءها.
كما يمكن أن نكتب أفضل الخطط لبناء المستقبل، لكنها تظل حبراً على ورق إذا لم توجد طريقة واقعية لإنهاء الحرب وإقامة سلطة تستطيع تنفيذها.
هذه، في تقديري، هي المسألة التي تمنح الأضلاع الثلاثة معناها.
فخطة المسارات السبعة تتعامل مع بوابة الخروج من الحرب وما يحيط بها من قضايا الشرعية والأمن والاستجابة الإنسانية والسيادة والمشاركة المجتمعية والانتقال المنظم.
ودستور الركيزة الانتقالي يحاول معالجة معضلة السلطة خلال الفترة الانتقالية، من خلال بناء التمثيل بصورة تصاعدية تبدأ من المجتمع، بدلاً من حصر تكوين السلطة في التوافقات التي تجري في قمة المشهد.
أما خارطة طريق السودان أولاً، فتنظر إلى ما وراء الأزمة نفسها، وتضع مساراً يمتد من إدارة الحرب والتعافي إلى بناء الدولة والتمكين المؤسسي.
وبذلك لا تتكرر وظيفة الوثائق الثلاث؛ بل تبدأ كل واحدة تقريباً من النقطة التي تحتاج عندها الأخرى إلى سند.
■ الاختبار الحقيقي في مناطق الالتقاء
ولهذا لا أعتقد أن الأولوية الآن هي إنتاج مزيد من الوثائق بقدر ما هي اختبار العلاقة بين الوثائق الموجودة.
فالسؤال المهم ليس فقط: هل خطة المسارات السبعة جيدة؟ أو هل الدستور محكم؟ أو هل خارطة الطريق طموحة؟
الأهم هو:
كيف تنتقل الدولة من ترتيبات إنهاء الحرب إلى أحكام الفترة الانتقالية؟
ومتى تنتقل من إدارة الأزمة إلى التعافي، ثم من التعافي إلى بناء الدولة؟
ومن المسؤول عن كل انتقال؟
وما الموارد المطلوبة؟
وكيف نعرف أن مرحلة ما أنجزت مهمتها وأصبح الانتقال إلى المرحلة التالية ممكناً؟
هنا ينتقل المشروع من مجموعة أفكار جيدة إلى هندسة دولة.
■ الاقتصاد هو الاختبار الأسرع
ومن موقعي كاقتصادي، أرى أن المواطن سيختبر نجاح هذه المنظومة بطريقة أبسط كثيراً من اللغة السياسية والدستورية.
هل عاد إلى عمله؟
هل تحسنت الكهرباء والمياه والصحة والتعليم؟
هل انخفضت كلفة الحياة؟
هل عاد الإنتاج؟
هل أصبحت هناك فرص حقيقية للشباب؟
فالسلام الذي لا يصل أثره إلى حياة الناس يظل معرضاً للاهتزاز، كما أن الاقتصاد لا يستطيع النهوض في بيئة تتنازع فيها السلطات أو تفتقد الأمن والقواعد المستقرة.
ولهذا ترتبط الأضلاع الثلاثة عملياً ببعضها: الأمن يفتح باب الاقتصاد، والسلطة المنظمة توفر الثقة، وخارطة المستقبل تحدد أين توجه الموارد والاستثمارات.
■ المطلوب الآن: الاختبار لا المديح
وجود هذه المنظومة لا يعني أنها اكتملت.
بل أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع وطني هو أن ينشغل مؤيدوه بالدفاع عنه أكثر من انشغالهم باختباره.
ينبغي أن يدخل القانوني إلى هذه الوثائق باحثاً عن الثغرات، والاقتصادي عن التكلفة والاستدامة، والعسكري والأمني عن واقعية الترتيبات، وخبير الإدارة عن قابلية المؤسسات للعمل، وخبير الحكم المحلي عن تداخل الاختصاصات، والمواطن عن موقعه وحقوقه ومسؤولياته.
وإذا كشف هذا الفحص خللاً، فتصحيحه قوة للمشروع لا انتقاص منه.
فالمشروعات الوطنية لا تنضج بالتصفيق، وإنما بالنقد الذي يجعلها أكثر قدرة على مواجهة الواقع.
■ الخلاصة
أرى أن الفكرة التي تستحق النقاش في تجربة السودان أولاً ليست كثرة الوثائق، وإنما محاولة الإجابة عن ثلاثة أسئلة داخل مشروع واحد:
كيف نعبر الحرب؟
كيف ننظم السلطة أثناء العبور؟
وأين نريد أن يصل السودان؟
خطة المسارات السبعة تحاول الإجابة عن السؤال الأول.
ودستور الركيزة الانتقالي يتعامل مع الثاني.
وخارطة الطريق تمتد نحو الثالث.
وهذا هو معنى أضلاع المشروع الوطني الثلاثة.
لكن المثلث لا يصبح قوياً لمجرد اكتمال أضلاعه على الورق.
قوته الحقيقية تبدأ عندما نعرف بدقة كيف يتصل كل ضلع بالآخر، وعندما تخضع هذه الروابط للفحص والتطوير، ثم تتحول إلى مسؤوليات ومؤسسات وقرارات يمكن قياس نتائجها.
فالمطلوب ليس وثائق أكثر…
بل أن تعمل الوثائق الموجودة كمنظومة واحدة.
والله يهدي إلى سواء السبيل.



