مقالات الظهيرة

(أذان صاغية) مجلس السيادة الانتقالي في الوثيقة الدستورية المعدلة.. التكوين والاختصاصات وحدود السلطات

بقلم: د. عامر إبراهيم محمد المحامي

خبير في القانون الدولي الإنساني

 

يُعد مجلس السيادة الانتقالي إحدى المؤسسات الرئيسية التي قامت عليها هياكل السلطة خلال الفترة الانتقالية في السودان، وقد أولت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، وتعديلاتها التي أعقبت توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان في 3 أكتوبر 2020، اهتماماً خاصاً بتحديد تكوين المجلس واختصاصاته وسلطاته، باعتباره رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها.

 

وقد أحدث اتفاق جوبا تعديلاً مهماً في تشكيل مجلس السيادة، إذ انتقل عدد أعضائه من أحد عشر عضواً وفق التشكيل السابق إلى أربعة عشر عضواً، موزعين بين خمسة أعضاء يختارهم المكون المدني ممثلاً لقوى إعلان الحرية والتغيير، وخمسة أعضاء يختارهم المكون العسكري، وعضو مدني يتم اختياره بالتوافق بين الطرفين، وثلاثة أعضاء يمثلون أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا.

 

وهذا التغيير لم يكن مجرد زيادة عددية في عضوية المجلس، وإنما عكس توجهاً لإدماج أطراف العملية السلمية في مؤسسات الحكم الانتقالي، وإعطائها مشاركة دستورية في مؤسسة رأس الدولة، بما يتناسب مع الترتيبات السياسية التي أفرزها اتفاق السلام.

 

مجلس السيادة رأس الدولة وليس بديلاً عن الحكومة

 

حددت المادة (11) من الوثيقة الدستورية طبيعة مجلس السيادة باعتباره رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها. وهذه الصفة تقتضي التمييز بين موقع المجلس في البناء الدستوري وبين الاختصاص التنفيذي الذي أسندته الوثيقة إلى مجلس الوزراء.

 

فمجلس السيادة لا يمثل حكومة تنفيذية موازية، ولا يجوز الخلط بين سلطاته السيادية والاختصاصات التنفيذية الأصيلة لمجلس الوزراء. فلكل مؤسسة اختصاصاتها المحددة دستورياً، وممارسة أي منها لسلطات المؤسسة الأخرى دون سند قانوني تثير مسألة تجاوز الاختصاص الدستوري.

 

اختصاصات مجلس السيادة وسلطاته

 

نظمت المادة (12) اختصاصات مجلس السيادة، ومن أبرزها تعيين رئيس مجلس الوزراء وفق آلية الاختيار الدستورية، واعتماد أعضاء مجلس الوزراء الذين يعينهم رئيس الوزراء من قوائم المرشحين المقدمة من قوى إعلان الحرية والتغيير وأطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا.

 

كما تشمل اختصاصاته اعتماد تعيين حكام الأقاليم والولايات، وأعضاء المجلس التشريعي الانتقالي بعد اختيارهم وفق أحكام الوثيقة، واعتماد تشكيل مجلس القضاء العالي، وتعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية وفق الترشيحات والإجراءات المنصوص عليها.

 

ويمتد اختصاص المجلس إلى اعتماد تعيين النائب العام والمراجع العام والسفراء، وقبول اعتماد السفراء الأجانب لدى السودان، فضلاً عن ممارسة الاختصاصات السيادية المرتبطة بإعلان الحرب وإعلان حالة الطوارئ وفق الضوابط الدستورية.

 

ومن الاختصاصات المهمة أيضاً التوقيع على القوانين التي يجيزها المجلس التشريعي، والتوقيع على الاتفاقيات الدولية والإقليمية بعد مصادقة المجلس التشريعي عليها، فضلاً عن المصادقة على أحكام الإعدام النهائية وممارسة سلطة العفو وفقاً للقانون.

 

حدود السلطة السيادية والرقابة الدستورية

 

من المسائل المهمة التي ينبغي الوقوف عندها أن الوثيقة الدستورية لم تجعل موافقة مجلس السيادة على القرارات التي تعرض عليه سلطة مطلقة أو حقاً غير محدود في تعطيلها.

 

فقد نظمت الوثيقة إجراءات الاعتماد والتوقيع، وحددت آجالاً للتعامل مع القرارات والقوانين. كما أن امتناع مجلس السيادة عن التوقيع على قانون أجازه المجلس التشريعي لمدة خمسة عشر يوماً دون إبداء أسباب يترتب عليه نفاذ القانون، وإذا أعاد المجلس القانون مع إبداء أسباب الاعتراض، ثم أجازه المجلس التشريعي مرة أخرى، أصبح نافذاً دون الحاجة إلى موافقة مجلس السيادة.

 

وهذا التنظيم يؤكد أن دور مجلس السيادة في العملية التشريعية ليس ممارسة سلطة التشريع بصورة مستقلة، وإنما يدخل في إطار الإجراءات الدستورية المحددة لإصدار القوانين.

 

كما أن قرارات مجلس السيادة تصدر بالتوافق، وفي حالة تعذر التوافق تصدر بأغلبية ثلثي أعضائه، وفقاً للمادة (12).

 

المطلوب هو احترام مبدأ الفصل بين الاختصاصات

 

إن سلامة البناء الدستوري لا تقوم على تعدد المؤسسات وحده، وإنما على احترام الحدود الفاصلة بين اختصاصاتها، بحيث يمارس مجلس السيادة مهامه السيادية، ويتولى مجلس الوزراء إدارة شؤون الدولة التنفيذية، ويضطلع المجلس التشريعي بمهام التشريع والرقابة والمساءلة.

 

ومن هنا فإن أي قراءة للوثيقة الدستورية يجب أن تنطلق من مبدأ المشروعية الدستورية، وأن تخضع تصرفات المؤسسات العامة لمعيار الاختصاص الذي حدده الدستور، لا لمجرد التوازنات السياسية أو التوافقات خارج النصوص.

 

إن مجلس السيادة، وفق الوثيقة المعدلة، مؤسسة ذات اختصاصات سيادية مهمة، ولكنها ليست سلطة مطلقة فوق بقية مؤسسات الدولة؛ فالدستور هو الذي يمنح السلطات ويحدد حدودها، واحترامه هو الضمان الأساسي لقيام دولة المؤسسات وسيادة حكم القانون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى