مقالات الظهيرة

أبو عبيدة أحمد علي يكتب… السودان ليس ساحةً للوصاية ولا وطناً للمساومة

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

ليس من حق أحد أن يغضب من السؤال حين يكون السؤال دفاعاً عن الوطن، ولا ينبغي أن تُعدّ الجرأة في مساءلة أصحاب النفوذ خروجاً على الدبلوماسية؛ فالأوطان التي تُحسن حماية سيادتها لا تخاف من الأسئلة، وإنما تخاف من الصمت حين تتزاحم الأيدي على أبوابها.

 

ومن هذا الباب، نستقبل ما يطرحه بعض الكتاب السودانيين من أسئلة جريئة حول التدخلات الدولية في الشأن السوداني، لا لنصادر حق أحد في الرأي، ولا لنكرر عبارات كاتب سبقنا إلى الفكرة، وإنما لنضع السؤال في موضعه الصحيح: من يملك الحق في رسم مستقبل السودان؟ السودانيون، أم الذين ينظرون إلى السودان من وراء الخرائط والمصالح وحسابات النفوذ؟

 

لقد أصبح اسم مسعد بولس حاضراً بقوة في الملف السوداني. والرجل، بحكم موقعه مستشاراً للرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، بات طرفاً بارزاً في الجهود الأمريكية المتعلقة بالحرب السودانية. وهذه حقيقة معلنة وليست سراً.

 

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بأدب الدولة ووضوحها هو: إلى أي مدى يجوز لأي وسيط خارجي أن يتجاوز حدود الوساطة إلى محاولة تحديد شكل الدولة السودانية وقيادتها ومستقبلها السياسي؟

 

هذا السؤال لم يعد افتراضياً؛ فقد نقلت تقارير حديثة عن بولس قوله إن الولايات المتحدة ترى ألا مستقبل للبرهان أو حميدتي في القيادة السياسية للسودان. وهنا يصبح من حق السودانيين أن يسألوا: هل جاءت الوساطة الخارجية لتساعد السودانيين على الوصول إلى توافق، أم أنها بدأت تضع بنفسها شروطاً لمن يحق له أن يحكم ومن لا يحق له؟

 

إن السودان ليس ولاية أمريكية، ولا محمية دولية، ولا قطعة شطرنج على رقعة الشرق الأوسط وأفريقيا.

 

نحن نريد السلام، نعم.

 

نريد وقف نزيف الدم، نعم.

 

نريد حماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، نعم.

 

لكننا نريد ذلك كله من غير أن يكون ثمن السلام مصادرة الإرادة الوطنية.

 

ومن هنا فإن الحديث عن التدخلات الخارجية لا يجوز أن يكون حديثاً انفعالياً؛ فهناك بالفعل أدلة وتقارير دولية على تدفق السلاح والمقاتلين والدعم عبر الحدود إلى أطراف النزاع السوداني، وقد وثقت جهات دولية شبكات دعم خارجية مرتبطة بالحرب.

 

وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر:

 

إذا كان المجتمع الدولي يملك من القوة ما يكفي لوقف تدفق السلاح إلى السودان، فلماذا لا يبدأ من هنا؟

 

لماذا لا يكون المطلب الأول هو وقف السلاح والتمويل والمقاتلين الذين يعبرون الحدود؟

 

ولماذا يتحول الضغط الدولي أحياناً إلى حديث عن إعادة تشكيل السلطة، بينما تبقى قضية وقف مصادر الحرب نفسها في مرتبة أخرى؟

 

إن الشعب السوداني لا يرفض السلام، وإنما يرفض أن يتحول السلام إلى وصاية.

 

ولا يرفض الحوار، وإنما يرفض أن يكون الحوار غطاءً لفرض إرادة خارجية.

 

ولا يرفض المجتمع الدولي، وإنما يرفض أن يتحول المجتمع الدولي إلى صاحب القرار في وطن له شعبه وتاريخه ومؤسساته.

 

ولعل السؤال الأوضح الذي يجب أن يسمعه العالم هو:

 

لو اندلعت حركة تمرد مسلحة داخل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا، فهل كانت تلك الدول ستقبل بأن تتولى عواصم أجنبية تحديد مستقبلها السياسي، أو أن ترسم لها شكل جيشها ومؤسساتها السيادية؟

 

الجواب معروف في أبجديات الدولة الحديثة: لكل دولة حق أصيل في معالجة شؤونها الداخلية، مع احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.

 

فلماذا يُطلب من السودان دائماً أن يكون الاستثناء؟

 

إن السودان اليوم يحتاج إلى قيادة تعرف أن الصمود ليس عناداً، وأن السيادة ليست شعاراً، وأن الدفاع عن القرار الوطني لا يعني إغلاق أبواب الحوار مع العالم.

 

بل العكس تماماً.

 

نحن نريد العالم شريكاً في السلام، لا وصياً على السودان.

 

نريد من الولايات المتحدة أن تساعد في وقف الحرب، لا أن تختار للسودانيين مستقبلهم.

 

ونريد من الدول العربية والأفريقية أن تدعم استقرار السودان ووحدته، لا أن تجعل أرضه ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية.

 

ونريد من المجتمع الدولي أن يضع حداً لتدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وأن يتعامل مع جميع الأطراف بمعيار واحد، بعيداً عن ازدواجية المعايير.

 

أما السودان، فعليه أن يقول كلمته بثبات:

 

نحن لا نطلب من أحد أن يحارب حربنا، لكننا لن نقبل أن يقرر أحد نيابة عنا كيف نصنع سلامنا، وكيف نبني دولتنا، ومن يختار لنا مستقبلنا.

 

والجيش السوداني، بوصفه مؤسسة وطنية، والدولة السودانية بمؤسساتها، والشعب السوداني بكل مكوناته، عليهم أن يدركوا أن أخطر ما يواجه الوطن ليس فقط صوت الرصاص، وإنما أن يتحول الخلاف الداخلي إلى باب تستدخل منه الإرادات الخارجية.

 

فإذا اختلف السودانيون، فليختلفوا داخل وطنهم.

 

وإذا تحاوروا، فليتحاوروا على أرض السودان.

 

وإذا اختلفوا على مستقبل الحكم، فليكن الحكم للشعب وصندوقه وإرادته، لا لعاصمة أجنبية ولا لمبعوث دولي ولا لمشروع إقليمي.

 

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تسقط فقط عندما تهزم جيوشها، وإنما قد تسقط حين تفقد قدرتها على اتخاذ قرارها بنفسها.

 

ولهذا نقولها من قلب السودان:

 

لن تركع بلادنا للوصاية، ولن تكون أرض النيلين جائزةً في سوق المصالح الدولية.

 

السودان يريد السلام، ولكنه يريد سلاماً يحفظ كرامته.

 

ويريد الاستقرار، ولكنه يريد استقراراً يصنعه أبناؤه.

 

ويريد علاقات دولية متوازنة، ولكنه يريدها علاقات بين دول ذات سيادة، لا علاقة وصي بموكَّل.

 

أما الذين يظنون أن السودان يمكن أن يُقاد بالعصا، أو أن شعبه يمكن أن يُختزل في مجموعة من النخب المتصارعة، أو أن إرادته يمكن أن تُكتب في مكاتب الخارج، فنقول لهم:

 

لقد أخطأتم قراءة السودان.

 

فهذا الشعب قد يتعب، وقد يختلف، وقد يخاصم بعضه بعضاً، ولكنه حين يتعلق الأمر بكرامة الوطن وسيادته، فإن النيل الذي يجري في أرضه يعرف كيف يجمع أبناءه على ضفة واحدة.

 

وسيظل السودان للسودانيين.

 

والسلام للسودان.

 

والسيادة للسودان.

 

والقرار، في نهاية المطاف، لشعب السودان وحده.

 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى