ياسر محمد محمود البشر يكتب…. محمد النور دفع الله قديم… ملحمة التفوق من داخل خنـــادق بــُــــوط!!

*تتضاءل المستحيلات أمام الإرادة الصلبة وتتراجع الظروف القاسية حينما تحضر العزيمة الإنسانية الفذة لتصنع من قلب الركام ولهيب المعارك قممًا جديدة من النجاح والانجاز فى أقصى الحدود الجنوبية الغربية لإقليم النيل الأزرق وتحديدًا فى منطقة بوط تجسدت هذه الحقيقة فى قصة استثنائية للبطل المقاتل محمد النور دفع الله إدريس قديم الذي قدم أروع نموذج للتوازن بين الواجب الوطنى والتحصيل العلمى ينتمي البطل قديم إلى كتيبة لواء الشهيد الدحيش حيث يرابط في خطوط الدفاع الأولى حاميًا للثغور ومدافعًا عن حياض الوطن بكل بسالة وإقدام لم تكن تفاصيل حياته اليومية تشبه تفاصيل حياة أى طالب ثانوى عادي يتهيأ لخوض امتحانات الشهادة السودانية بل كانت حافلة بأصوات الدوى وتكتيكات الانسحاب والهجوم وشظايا الظروف الأمنية والتنظيمية المتردية*.
*وفى الوقت الذي يتفرغ فيه الطلاب للمراجعة داخل الفصول المجهزة وفى أجواء من الهدوء والاستقرار الأسرى والمدرسى كان قديم يقتطع ساعات الدراسة من قلب الخنادق وتحت سواتر الدفاع المعتمة كانت مقاعده الدراسية هي التراب والرصاص ووسيلته للتحصيل هي الأوراق المجعدة التي يطالعها على ضوء خاطف بين نوبة حراسة وأخرى لم تعرف مسيرته الأكاديمية انتظام الفصول ولا شروح المعلمين المباشرة بل كانت كل دروسه تُستذكر من داخل المتحركات العسكرية وأثناء التنقلات الميدانية الشاقة كانت الإرادة هى الأستاذ الأول والتحدى هو الدافع الأكبر لتحويل كل ثانية فراغ في ساحات المعركة إلى فرصة لاستيعاب كتاب أو مراجعة مادة تعليمية*.
*وحين أُعلنت نتائج الشهادة السودانية كانت المفاجأة التي أذهلت رفاقه قبل أسرته فقد أحرز البطل نسبة ٦٦.٩٪ وهى نسبة لا تعبر فقط عن مجموع درجات فى أوراق امتحانية بل تعكس معدل تضحية وصمود استثنائى يُدرس في كيفية قهر الصعاب والتغلب على أسوأ الظروف الميدانية والحصول على هذا المجموع من داخل حفرة البرميل وسواتر المواجهة العسكرية يعادل التفوق الكامل فى الأحوال الطبيعية فكل درجة حصدها هذا البطل كانت معجونة بالتعب والسهر وشظايا المخاطر التي كانت تحيط به من كل جانب لتصبح شهادته وثيقة شرف مزدوجة للأدب والنضال*.
*إن تجربة البطل محمد النور قديم تضعنا جميعًا أمام مفهوم جديد للمواطنة الحقيقية حيث يتكامل السلاح مع القلم وتلتقى التضحية بالدماء مع الوعى المعرفى إنه دلالة حية على أن شباب هذا الوطن قادرون على البناء والتألق حتى وهم يخوضون أعتى معارك الدفاع عن ترابه وأمنه ورغم هذا الإنجاز الكبير والأصداء التي يستحقها لا يزال البطل قديم ممسكًا ببندقيته حتى هذه اللحظة مرابطًا في خنادق منطقة بوط يؤدى واجبه العسكرى دون رياء أو تراخٍ مؤكدًا أن العلم سلاحٌ يتكامل مع بندقية الشرف ولا يعطلها*.
*إن هذا البطل الاستثنائى بما قدمه من نموذج ملهِم لشباب السودان يستحق اليوم وأكثر من أي وقت مضى التكريم والاهتمام الرسمى والشعبى ورعاية مسيرته الأكاديمية والجامعية وتذليل كافة العقبات أمامه ليكمل تعليمه العالى ويمضى في طريق النجاح الذى بدأه من عمق السواتر إن قصة قديم ستظل محفورة في ذاكرة منطقة بوط وإقليم النيل الأزرق كرمز للإرادة السودانية التى لا تكسرها الحروب قصة شاب حَرَسَ الحدود ببندقيته وحَرَسَ مستقبله بقلمه ليرسم للأجيال القادمة معنى أن تكون بطلاً في الميدان وناجحًا في الامتحان*.
yassir.mahmoud71@mail.com



